فاس.. سيرة المدينة التي صنعت هوية المغرب وأرست أولى دعائم الحكم الإسلامي
لم تعرف فاس ميلادا عاديا، فظهورها لم يكن حدثا عمرانيا عابرا، بل لحظة فاصلة صنعت وجود دولة ورسخت كيانا سياسيا ودينيا في أقصى بلاد المغرب. منذ أن كان مؤسسها جنينا في رحم أمه، تعلقت به الآمال وانتظرته القبائل، لا باعتباره وليدا، بل أميرا سيحمل راية دولة جديدة ويؤسس عاصمة خالدة.
تاريخ مدينة فاس المغربية
إنه إدريس الثاني، ثاني أمراء دولة الأدارسة، ومؤسس مدينة فاس، التي وُضع أساسها في الرابع من يناير عام 809م الموافق 193هـ، ليبدأ فصل جديد في تاريخ المغرب الإسلامي.
وُلد إدريس الثاني في الرابع عشر من أكتوبر عام 793م، الموافق الثالث من رجب سنة 177هـ. ولم يكن الحديث عن مولده ممكنا دون الرجوع إلى سيرة والده إدريس الأول، مؤسس دولة الأدارسة، الذي استطاع أن يؤسس أول دولة إسلامية مستقلة في المغرب الأقصى، دولة حكمت البلاد لأكثر من قرن ونصف.
نعود بالزمن إلى شعاب مكة، إلى يوم التروية، الثامن من ذي الحجة عام 169هـ الموافق 11 يونيو 786م، حين واجه العلويون بطش العباسيين في خلافة الهادي بن المهدي. هناك وقعت موقعة فخ، وسالت دماء آل البيت، وانتهى حلم إقامة دولة علوية في الحجاز.
قُتل معظم الثائرين، ونجا إدريس ويحيى ابنا عبد الله الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. فر يحيى إلى بلاد الديلم، بينما اتجه إدريس غربا نحو المغرب الأقصى، حيث وجد ملاذا في مدينة وليلي، وهناك بدأت ملامح دولة جديدة تتشكل.
لم تمض سنوات حتى التف حول إدريس الأول عدد من القبائل البربرية، من أوربة وزناتة وصنهاجة وهوارة، التي أبدت سخطها على الحكم العباسي، ورأت في إدريس رمزا لآل البيت وقائدا قادرا على توحيد الصفوف. في عام 172هـ الموافق 788م، بايعته تلك القبائل إماما وأميرا، لتولد دولة الأدارسة رسميا.
اتسعت رقعة حكم إدريس الأول، فامتدت دولته من وادي الشلف شرقا حتى المحيط الأطلسي غربا، ومن سواحل المتوسط شمالا إلى الصحراء الكبرى جنوبا، وهو ما أثار قلق العباسيين في بغداد.
تعددت الروايات حول وفاة إدريس الأول، لكن أغلبها يرجح موته مسموما بتحريض من هارون الرشيد. غير أن إدريس رحل وترك خلفه أمرا حاسما، فقد كانت زوجته كنزة بنت إلياس الأوربية حاملا، ما فتح باب الأمل أمام أنصاره لاستمرار الدولة.
انتظرت القبائل البربرية المولود، وحين جاء ذكرا، أعلنت ولاءها له منذ لحظة ولادته. نشأ إدريس الثاني في كنف والدته وخاله وقبيلته، ورغم حداثة عهدهم بالإسلام والعربية، حرصوا على تنشئته تنشئة علمية ودينية راسخة.
حفظ القرآن الكريم، وتعلم الفقه والسنة، وأتقن العربية لغة وشعرا، ودرس التاريخ وأيام العرب، وتلقى تعليما شاملا على يد مولاه راشد، الذي لم يكتف بتعليمه العلوم الشرعية، بل دربه على الفروسية، ورمي السهام، وفنون القتال، ليكون أميرا قادرا على الحكم ومنافسة خلفاء بني العباس في بغداد.
تشكل مجلس وصاية ضم والدته كنزة وراشد مولاه، حتى بلغ إدريس الثانية عشرة تقريبا. وفي الأول من ربيع الآخر سنة 188هـ الموافق 16 فبراير 804م، بايعه الناس إماما وأميرا، وهو في الحادية عشرة من عمره.
سعى إدريس الثاني منذ توليه الحكم إلى تعزيز دولته، فاستقدم القبائل العربية إلى بلاطه، ورأى في وجودهم دعما لملكه وسط الأغلبية البربرية. كما لاحظ ضيق مدينة وليلي عن استيعاب السكان، فقرر إنشاء عاصمة جديدة تليق بدولته الناشئة.
في عام 193هـ الموافق 809م، وضع إدريس الثاني أساس مدينة فاس، لتكون عاصمة سياسية وعلمية تضاهي القيروان عاصمة الأغالبة. أنشأ فيها مسجدا عظيما هو جامع القرويين، الذي صممه على غرار جامع قرطبة في الأندلس. وانقسمت المدينة إلى عدوتين، عدوة القرويين، وعدوة الأندلسيين، الذين وفدوا إلى فاس بعد ثورة الربض في الأندلس عام 202هـ الموافق 818م.
لم تخلُ علاقة إدريس الثاني بأخواله الأوربيين من التوتر، فقد طمح الأمير إلى بناء دولة قائمة على مؤسسات الحكم الإسلامي، لا على سلطة القبيلة. شعر بأن قبيلة أوربة تعتبر نفسها صاحبة الدولة، وتتصرف كقوة مستقلة داخلها. ومع اكتشافه تآمر بعض زعمائهم مع الأغالبة، اتخذ قرارات حاسمة، فقضى على نفوذهم، وأرسى سلطته على البلاد.
كما رحل والده مسموما، لقي إدريس الثاني المصير نفسه. دُس له السم في طبق من العنب، فمات على الفور في الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 213هـ الموافق 29 أغسطس 828م، عن عمر لم يتجاوز ستة وثلاثين عاما.
ترك إدريس الثاني دولة قوية، وتسعة أبناء تقاسموا الحكم من بعده، ورغم انقسام الدولة، استمرت دولة الأدارسة حتى عام 363هـ الموافق 974م، وبقيت فاس شاهدا حيا على ميلاد عاصمة صنعت التاريخ، وما زالت إلى اليوم تحتفظ بسحرها ومكانتها كإحدى أقدم العواصم الإسلامية في بلاد المغرب.


