بنو جميل.. قبيلة السيف والصحراء من الشام الى العراق
تعد قبيلة بني جميل من القبائل العربية العدنانية ذات الشوكة والنفوذ، وقد تشكل كيانها الاول في بلاد الشام قبل ان تبدأ هجرتها الكبرى نحو العراق عبر جزيرة سنجار في حدود القرن العاشر الهجري، ثم استقرت في منطقة الجزيرة غرب سامراء، وعرفت بين القبائل بكونها من قبائل البادية واهل الابل، وتسمى ابلهم الحيز، وهي معروفة ومميزة لدى القبائل الاخرى، ونخوتهم اولاد منصور، وقد صنعت حياة البداوة القاسية رجالا اشداء اعتادوا الصراع مع الموت في زمن كثرت فيه الغزوات وعدم الاستقرار.
أصول قبيلة بنو جميل
عند نزوح بني جميل الى العراق واجهوا ضيق الارض التي مالوا اليها، ما ادى الى اندلاع معارك كبيرة بينهم وبين الامارات والقبائل المجاورة، فاضطروا الى تجريد سيوفهم ومقاتلة من حولهم في مختلف الاتجاهات، وتمكنوا من بسط نفوذهم على مساحات واسعة امتدت من جنوب مدينة بلد الى شمال تكريت، وذلك بعد القضاء على امارة عبادة التي كانت تسيطر على تلك المناطق، ثم واصلوا توسعهم شرقا حتى وصلوا الى الضواحي القريبة من كركوك.
في مطلع القرن الحادي عشر الهجري اسس بنو جميل امارتهم الخاصة، وكان اول امرائها راشد بن قطن بن عامود بن عبد الجليل بن صالح بن زيد العجاج، لتدخل القبيلة مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والعسكري، وتتحول من قوة قبلية متنقلة الى امارة ذات نفوذ واضح في وسط العراق.
برز في تاريخ بني جميل الامير زيد بن عجاج، احد شيوخ القبيلة المعروفين، وكانت احدى زوجاته شقيقة امير نقرة الشام سيف بن ثابت، وقد انجبت له ولدين هما صالح ومنصور، اضافة الى عدد من الابناء من زوجاته الاخريات، وعند وفاة الامير زيد دب الخلاف حول رئاسة القبيلة، فمالت اغلبية عربان بني جميل الى شقيقه سيف.
اثر هذا الخلاف غادر صالح ومنصور القبيلة واتجها الى العراق، وتبعهما من ناصرهما من بني جميل، فتجمع حولهما سبعة افخاذ صغيرة هي العجاجرة والرمضان والجسات والكرنة والكرشة والخشارمة والسنداويون، كما انضم اليهم عدد اخر من عربان بني جميل مثل الاحباب والرفيعات والحماة.
استقر صالح ومنصور ومن معهم في اراضي الجزيرة غرب العراق، ثم انتهى بهم المطاف على ضفاف نهر دجلة بين بلد وسامراء، في الاراضي التابعة حاليا لناحية الاسحاقي، وهناك اجتمعوا واستعرضوا قوتهم مشهرين سيوفهم عند نزولهم في تلك الديار، في موضع يعرف بتل جبارة، وبايعوا صالح اميرا ومنصور فارسا لهم، ومن تلك اللحظة عرفت جماعتهم باسم المجمع.
تعود تسمية المجمع الى اجتماع هذه الافخاذ حول صالح، ولذلك قيل من صالح وفي ايامه تولدت المجمعية، وكانت نخوتهم اولاد منصور والشمردل، غير ان نخوة اخوة سرة غلبت عليهم مع مرور الزمن، ويشكل المجمع نواة قبيلة بني جميل في العراق، فكل من يقول انه مجمعي يعني بالضرورة انه من بني جميل، اذ لا توجد قبيلتان منفصلتان تحملان هذين الاسمين في العراق.
كثرت بين افراد القبيلة روايات تشير الى ان القبيلة تكونت من صالح وجميل وكأنهما شقيقان، غير ان الحقيقة التاريخية تؤكد ان جميل هو الجد الاعلى للقبيلة، وان صالح احد احفاده، لكن بعد انفراد صالح بالمجمعية ارتبط الاسم بجماعته، بينما بقيت الافخاذ الاخرى تحمل اسم بني جميل، مع اتفاق الجميع في النسب والاصل.
استقر المجمّع في مناطق متعددة شملت بلد والدجيل والاسحاقي وديالى عموما، واشتهر قول قديم يحدد مجال وجودهم من صدر الدجيل الى صالح الهندي، في اشارة الى اتساع رقعة نفوذهم في تلك المناطق.
لم تقتصر حملات بني جميل على القبائل المجاورة فقط، بل امتدت الى طريق الدولة العثمانية الذي يربط بغداد بالموصل عند مروره بمنطقة الجزيرة غرب سامراء، حيث قطعوا الطريق على القوافل واغاروا عليها، واظهروا تمردا صريحا على باشوات بغداد، ورفضوا الخضوع لسلطة الدولة العثمانية.
دفع هذا التمرد الوالي العثماني الى تشكيل حلف عسكري واسع ضم عددا من عشائر الديرة مثل العبيد والجبور والجغايفة واللهيب وطي وغيرهم، ودعم هذا الحلف بجيش كبير من القوات العثمانية بقيادة الوزير احمد باشا نفسه، الذي خرج بحملة عسكرية كبرى على امارة بني جميل عام 1724 ميلادية.
اسفرت هذه الحملة عن معركة كبيرة ومشهورة عرفت باسم وقعة بني جميل، وسماها العامة دكة المهيجير نسبة الى اسم شيخ القبيلة في ذلك الوقت، وقد شكلت هذه الواقعة واحدة من اعنف المواجهات بين القبيلة والسلطة العثمانية، ورسخت مكانة بني جميل كقوة قبلية عصية على الكسر في تاريخ وسط العراق.



