عادة الراية في التحكيم القبلي ببادية الشام.. رمز السلام ووقف النزاع
أسماء صبحي – تعد عادة الراية من العادات القبلية القديمة التي انتشرت في بادية الشام، خاصة بين القبائل البدوية في جنوب سوريا وشرق الاردن وشمال الجزيرة العربية. وقد نشات هذه العادة في بيئة صحراوية قاسية غابت عنها مؤسسات الدولة والقضاء. مما دفع القبائل الى ابتكار نظم عرفية تضبط العلاقات الاجتماعية وتحد من تفجر النزاعات المسلحة بين العشائر.
مفهوم عادة الراية ودلالتها الرمزية
تعتمد هذه العادة على رفع قطعة قماش بيضاء او ملونة في مكان ظاهر، غالبا امام مضارب القبيلة او بيت الطرف المتضرر. وبمجرد رفع الراية، يصبح من المحرم عرفا الاستمرار في القتال او الثأر، مهما بلغت حدة الخلاف. وتمثل الراية اعلانا صريحا عن الرغبة في الصلح ووقف سفك الدماء، كما تحمل معنى اخلاقيا عميقا يتعلق باحترام العهد والكلمة.
آلية وقف النزاع وطلب التحكيم
عند رفع الراية، تلتزم جميع الاطراف بوقف اي اعمال انتقامية، ويمنح النزاع فرصة للدخول في مسار التحكيم القبلي. ويعد خرق حرمة الراية جريمة عرفية كبرى قد تؤدي الى عزل الفاعل اجتماعيا وحرمانه من الحماية القبلية، وهو عقاب اشد قسوة من العقوبات المادية في المجتمع البدوي.
بعد اعلان الراية، تتدخل شخصيات معروفة بالحكمة والخبرة من شيوخ القبائل او ما يعرف بالجاهة. حيث يقومون بزيارة طرفي النزاع والاستماع الى رواياتهم. ثم تبدا عملية التفاوض التي قد تشمل تحديد الدية او التعويض او شروط الصلح، وفقا للاعراف القبلية المتوارثة. وغالبا ما تلعب القبائل المحايدة دور الوسيط لضمان نزاهة القرار.
الراية كالتزام جماعي
في بعض الحالات، لا ترفع الراية من قبل احد اطراف النزاع، بل يبادر شيخ قبيلة مجاورة او شخصية اعتبارية برفعها خوفا من اتساع رقعة الصراع. وفي هذه الحالة، يتحول احترام الراية الى التزام جماعي يشمل جميع القبائل في المنطقة، وليس اطراف النزاع فقط. مما يعزز فكرة المسؤولية المشتركة عن حفظ السلم الاجتماعي.
يوضح الباحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية الدكتور فهد العبدالله اهمية هذه العادة قائلا: “عادة الراية في المجتمع البدوي كان اقوى من اي وثيقة مكتوبة. لانها تقوم على منظومة قيم متجذرة في الوعي الجمعي، واي خرق لها يعد خرقا لشرف القبيلة كلها، وليس لفرد بعينه”.
تراجع العادة في العصر الحديث
مع توسع نفوذ الدولة الحديثة وفرض القوانين الرسمية، تراجعت ممارسة هذه العادة بشكل كبير، لكنها لم تختف تماما. فما زالت حاضرة في الذاكرة الجمعية، وتستخدم احيانا بشكل رمزي في النزاعات العشائرية. خاصة في المناطق الريفية والبادية التي تحتفظ بجزء من بنيتها القبلية.
يرى باحثون ان دراسة هذه العادات لا تهدف الى احياء الحكم العرفي، بل تساعد على فهم كيفية ادارة المجتمعات التقليدية للصراع قبل ظهور الدولة الحديثة. فقد نجحت هذه الاليات البسيطة في تقليل الخسائر البشرية ومنع تحول الخلافات الفردية الى حروب مفتوحة.



