عادات و تقاليد

بين “التوجا والجرد”.. حكاية الزي الليبي من روما القديمة إلى جهاد عمر المختار

أميرة جادو

يعتبر الجرد هو الزي الشعبي التقليدي لأهالي إقليم برقة، وهو الرداء الذي اعتاد الرجال ارتداءه منذ القدم، ولا يزال حاضرًا حتى يومنا هذا في المناسبات الدينية والقومية، بل ويرتدى خارج البلاد باعتباره زيًا وطنيًا يميز أهل برقة دون سواهم، وقد اكتسب هذا الزي مكانة خاصة بينهم، تميزه بوضوح عن غيره من أنماط الأزياء، وارتبط ارتباطًا وثيقًا بمرحلة الجهاد، إذ كان رمز الجهاد الليبي عمر المختار معتقلًا ومعدمًا وهو مرتديًا هذا الرداء.

أصل الجرد الليبي

الحولي أو الجرد هو قطعة قماش كبيرة تتراوح أبعادها بين 4 إلى 6 أمتار طولًا ونحو متر ونصف عرضًا، تنسج من صوف الغنم، وغالبًا ما يكون لونها أبيض، بينما يعد اللون البني أقل شيوعًا، وبعض النساء يقمن بتقصيبه باللونين الأسود أو البني.

وتتفاوت جودة الجرد وأسعاره بين الأنواع المصنوعة من خيوط خشنة تشبه الخيش، وتلك المصنوعة من صوف كثيف وثقيل. ويأتي الجرد بلونين رئيسيين: الأبيض وهو الأكثر انتشارًا، والبني الذي يعرف بالعباءة، كما يطلق عليه أحيانًا اسم «الحولي»، نسبة إلى فترة إعداده الطويلة التي تمتد لعام كامل، تبدأ باختيار الصوف المناسب وتنقيته من الشوائب، ثم غزله يدويًا، وصولًا إلى نسجه يدويًا.

كما يرجع أصل هذا الزي إلى عصور سحيقة، ويشبه إلى حد كبير زي التوجا الذي كان يرتديه نبلاء الرومان، وفي جبل نفوسة، يستخدم الجرد أثناء السفر لباسًا وفراشًا وغطاءً، بل وخيمة عند اشتداد الحر، كما قد يستعمل أحيانًا كحبل لسحب الماء من مواجل السبيل.

سبب تسميته

أما تسميته بالجرد، فترتبط بالعباءات التي تظهر عليها علامات القِدم بعد زوال وبرها، من الفعل «يجرد» أي أصبح مجردًا من صوفه.

أنواع الجرد الليبي

  •  الجرد الأبيض، يتم صنعه من الصوف الأبيض الثقيل، ويرتدى في فصل الشتاء، وتزين أطرافه رقيمات صغيرة الحجم، ويستخدم في الأيام العادية والأفراح وكذلك في المآتم.
  • العباءة البنية، وهي مصنوعة من الصوف البني الثقيل، وتلبس شتاءً، ولا تحتوي على زخارف، غير أن حافتيها مزينتان بخطين أبيضين، ولا تستخدم في الأفراح أو المآتم.
  • العباءة الحمراء، وتنطبق عليها مواصفات العباءة البنية، غير أن البعض يتشاءم من صناعتها وارتدائها.
  • الآخماسي، وهو جرد أبيض من صوف خفيف يستخدم في فصل الصيف، وتزين أطرافه زخارف دقيقة صغيرة الحجم، ويلبس في الأفراح والمآتم، أما «المقنى» فلا ترتديه إلا الفتاة المقبلة على الزواج، ويعد علامة اجتماعية فارقة، ويصنع من عباءة بنية داكنة وليس بيضاء.

كما يرتدي الرجال الجرد بطرق متعددة، ولكل شخص حرية اختيار الطريقة التي تناسبه، مع مراعاة الأحوال الجوية، ففي الظروف العادية يكون الاختيار مفتوحًا، أما في أوقات العمل أو الطقس القاسي، فيلتزم الرجل بطريقة معينة في ارتدائه، ويقضي وقتًا طويلًا في تنظيمه وتعديله، فيضعه مرة على الرأس وأخرى على الكتف.

يلف الحولي حول معظم أجزاء الجسد، وذلك بتمرير أحد أطرافه من تحت الإبط ليلتقي بالطرف المتدلي على الكتف، ثم يربطان على الصدر من الجهة اليسرى.

وتعرف هذه الربطة باسم «التكمية»، وتأخذ شكلًا دائريًا صغيرًا لا يتجاوز غالبًا حجم حبة مشمش متوسطة، كما يعد أفضل أنواع الجرد الأبيض ما يصنع في مدينة جادو بالجبل الغربي، حيث وصل سعر بعض الأنواع إلى 2000 دينار ليبي، أي ما يعادل نحو 1600 دولار أمريكي، رغم أن وزنه لا يتجاوز ثلاثة كيلوجرامات.

طرق اللباس

تتعدد طرق ارتداء الجرد الصوفي، ويختار كل رجل الكيفية التي تناسبه وفقًا للطقس والظروف، وفي الحالات العادية تسود الحرية في اللبس، بينما تفرض ظروف العمل أو المناخ القاسي أسلوبًا معينًا، ويولي الرجال اهتمامًا كبيرًا بتنظيم الجرد وضبطه، سواء بوضعه على الرأس أو إلقائه على الكتف.

كما يعتبر الزي التقليدي البرقاوي مجموعة متكاملة من الأزياء التراثية التي تشكلت بفعل العوامل الجغرافية والاجتماعية والتاريخية، وتعكس تأثير الحضارات التي مرت بالمنطقة.

وعلى الرغم من تراجع استخدامه في الحياة اليومية، فإنه لا يزال حاضرًا بقوة في المناسبات الرسمية والاجتماعية، بوصفه رمزًا للتراث البدوي.

ويتميز هذا الزي بأصالته وتصاميمه الفريدة ذات الجذور الضاربة في عمق التاريخ، مع اختلافات واضحة بين ملابس الرجال والنساء، وتباينات إقليمية بين الساحل والجبل والصحراء، فضلًا عن الفروق الثقافية بين العرب والأمازيغ والطوارق والتبو.

أصل الجرد فى الميثولوجيا اليونانية

كان عالم الموت في الميثولوجيا اليونانية مشبعًا بأساطير ذات جذور ليبية، كما يوضح محمد بازامة في كتابه عن قورينا وبرقة، ومن أبرزها أسطورة برسفونة سيدة العالم السفلي، زوجة هاديس، التي أكلت التفاحة فألزمت بالبقاء ثلث العام تحت الأرض، تفسيرًا أسطوريًا لتغير الفصول.

وكان هذا الرداء الليبي بسيطًا في شكله، عبارة عن قطعة طويلة من القماش الصوفي أو القطني تلف حول الجسد، وارتداه الرجال والنساء في برقة قبل دخول اليونان، ويذكر هيرودوت أن حملة باتوس الاستيطانية خلت من النساء، فتزوج المستوطنون من نساء ليبيات حافظن على عادات آبائهن.

كما أشار دستور برقة اليوناني إلى هذا الزي، وانتشرت نماذجه في مناطق لم يصلها اليونان مثل كنيبس، التي يرجح أنها وادي كعام، حيث اشتهرت أصوافها التي صنع منها رداء محلي عرف باسم «كلكيليوم»، وهو ذاته الذي عرف عند الرومان باسم «التوجا»، ويعد أصلًا مبكرًا للحولي والجرد.

أصل الجرد (اللباس العربي التقليدي)

تتمتع الأزياء العربية بجذور تاريخية عميقة، وتدل النقوش على جدران المعابد المصرية القديمة على أزياء مشابهة كان يرتديها الليبيون القدماء، كما وصف هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد ملابس النساء الليبيات بأنها أثواب جلدية مزينة.

وقد تأثر الزي البرقاوي عبر العصور بالحضارات المتعاقبة، لا سيما العثمانية، التي يظهر أثرها في بعض القطع المطرزة مثل «الفرملة»، ورغم تحديات الحداثة والعولمة، شهد هذا الزي عودة قوية في السنوات الأخيرة، باعتباره رمزًا للهوية الوطنية وحاضرًا في الاحتفالات والمناسبات.

كما يشير المؤرخ الإيطالي غوليا ناردوتشي في كتابه «برقة منذ الاستيطان الإغريقي» إلى أن اللباس الروماني مأخوذ عن اليوناني، وأن اليونانيين نقلوا الجرد عن الليبيين القدماء، وهو ما أكده المؤرخ البريطاني سميث كاج بيركت في كتاب «ممرات الحضارة». كما أشار هيرودوت إلى أن ثوب ودرع أثينا منقولان عن النساء الليبيات، وهو الجرد ذاته الذي ارتداه أهل برقة في العصر الروماني وما زال مستمرًا حتى اليوم.

الجرد في العهد الروماني

كما يعد الجرد من أبرز الأزياء التقليدية التي حافظت على حضورها الثقافي في شمال إفريقيا منذ العصور القديمة، وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الجرد، أو الحولي، كان شائعًا في طرابلس وبرقة وفزان خلال الحقبة الرومانية، وظهر تأثيره حتى في صور وتماثيل بعض أباطرة روما من أصول ليبية، مثل الإمبراطور سبتيموس سيفيروس المولود في لبدة الكبرى.

والجرد هو القطعة الأهم في لباس الرجل البدوي، وهو رداء كبير من الصوف أو القطن يبلغ طوله نحو ستة أمتار، يُلف حول الجسد بطريقة تترك عادة الكتف الأيمن والذراع حرين.

ويأتي بلونين أساسيين: الأبيض المرتبط بالأفراح والمناسبات، والبني أو البيج المخصص للاستخدام اليومي، ويعد رمزًا للرجولة والمكانة الاجتماعية.

التوجا أصل الجرد

والجدير بالإشارة أن التوجا ثوب تقليدي كان يرتدى في روما القديمة، وهو قطعة قماش نصف دائرية تلف فوق سترة، وكان هذا اللباس مخصصًا للمواطنين الأحرار دون العبيد، ويعد الزي الوطني لروما القديمة، ويتكون من رداء أبيض يلف حول الجسد، وغالبًا ما ينسج من الصوف، ويلبس فوق غلالة من الكتان.

وعلى الرغم من أن اللون الأبيض كان هو السائد، فإن التوجا قد تصنع أحيانًا من أقمشة مختلفة الألوان أو الزخارف، وقد بدأت التوجا كلباس عملي بسيط، ثم تحولت مع الوقت إلى زي رسمي معقد ومكلف، يحمل دلالات رمزية كبيرة.

ما معنى ارتداء التوجا؟

كانت التوجا علامة على المواطنة في روما القديمة، فهي ثوب خارجي من الصوف يلف حول الكتفين والجسد. ورغم رمزيتها، كان كثير من المواطنين يتجنبون ارتداءها بسبب ثقلها وارتفاع تكلفتها وصعوبة تنظيفها.

وفي المراحل الأولى من تاريخ روما، ارتداها الرجال والنساء، ثم اقتصرت لاحقًا على الرجال، بينما استمرت الفتيات في ارتدائها حتى سن الثانية عشرة.

الجرد فى كتب الرحالة والمستشرقين

كتب الرحالة الفرنسي هنري دو ماتيسيو عام 1901: «جعلني برد تلك الليلة أدرك فائدة الجرد، فهو بسيط وخفيف، ويمكن ارتداؤه بطرق متعددة، ويتحول حسب الحاجة إلى ملاذ من الحر أو البرد… بينما كنت أرتجف في معطفي المصنوع بإتقان».

كما قال الرحالة والجغرافي الألماني إيفالد بانزه عام 1906: «يمكن النوم في الحولي، ولف الرأس بالكامل اتقاءً للبرد، كما يمكن استخدامه لحمل المشتريات… لا يمكن تصور البدوي دون الحولي، فهو يعيش ويموت في هذه القطعة من صوف الغنم».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى