كتابنا

خميس بن عبيد القطيطي يكتب .. أزمة ثقة عالمية

على خلفيَّة منتدى دافوس كتجمُّع نخبوي عالمي، وما أفرزه من صورة قاتمة تجاه النظام العالمي والشرعيَّة الدوليَّة أولًا، وما سجَّله من أزمة ثقة بَيْنَ حلفاء الناتو الأميركي ـ الأوروبي، تتشكل الصورة السياسيَّة العالميَّة وانكساراتها، لا سِيَّما مع شعار «أميركا أولًا» وحالة التحوُّل الأميركي تجاه الحلفاء والشركاء والواقعيَّة السياسيَّة المتوحشة الَّتي يريد أن يديرَ بها الرئيس الأميركي مستقبل أميركا، وبالتأكيد هي رؤية أميركيَّة يطبقها الرئيس دونالد ترامب من أجْل أميركا أولًا، وعلى جميع الحلفاء الاوروبيين وغيرهم من كندا إلى الشرق الأوسط عليهم تقديم ضريبة هذا التحالف مع القوَّة الأميركيَّة. وبمنطق القوَّة، فإنَّ كُلَّ منتدى أو مبادرة ـ تقف على رأسها الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة ـ تؤكد أنَّ فكرة النظام العالمي وتقاليده البروتوكوليَّة قد انتهت، وأنَّ هناك رؤية جديدة على العالم الجديد التعامل بها، ولا شك أنَّ العلاقات الدوليَّة محكومة بفكرة المصالح أولًا.

 

أزمة الثقة بَيْنَ حلفاء الناتو كانت واضحة المعالم في منتدى «دافوس»؛ فالأوروبيون يعتقدون أنَّ واشنطن لم تَعُد زحمة ثقة عالميخميسخميس بن عبيد القطيطيالضَّامن الاستراتيجي، وأنَّها قد تغيِّر أولويَّاتها وفقًا للمصالح الأميركيَّة على خلفيَّة شعار «أميركا أولًا»، وقد ظهر ذلك في ملفَّات استراتيجيَّة أبرزها الملف الأوكراني وخشية الأوروبيين من المساومات الأميركيَّة ـ الروسيَّة الَّتي تجانب الاستراتيجيَّة الأوروبيَّة؛ ممَّا يُشكِّل مخاوف أوروبيَّة كبيرة تؤكد على حقيقة أنَّ الحليف الأميركي لم يَعُدْ يُعتمد عليه في عالم انقلبت فيه الصورة النمطيَّة للشرعيَّة الدوليَّة والعلاقات والمحاور الدوليَّة. كما أنَّ هناك قضايا أخرى تُثير الكثير من التوجُّس، منها الاقتصاد والتكنولوجيا واللاجئون والطاقة وغيرها، وكُلُّها حسابات متباينة بَيْنَ الحلفاء.

 

منتدى «دافوس» دقَّ ناقوس القلق الأوروبي من تراجع الالتزام الأميركي على المدى المنظور، لا سِيَّما مع تغيُّر ميزان القوى العالمي؛ ممَّا أفرز فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وأهميَّة تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على القطب الواحد. ولا شك أنَّ العلاقة بَيْنَ حلفاء الأمس لم تَعُدْ كما كانت؛ فالواقع السياسي والاقتصادي وحتَّى الأمني والعسكري يؤكِّد هذه الحقيقة، والمحور الغربي لم يَعُدْ متماسكًا كما كان أيَّام الحرب الباردة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ويُعَدُّ الآن في أسوأ مراحله، وكما يقال إنَّ عمليَّة الهدم لا تحتاج إلى وقت، بَيْنَما البناء بحاجة إلى وقت طويل، ناهيك عن الأزمة النفْسيَّة الَّتي تتعمق مع الوقت، وبالتَّالي فإنَّ الموقف الأوروبي خلال منتدى «دافوس» بدأ يتحدث عن الاستقلاليَّة الاستراتيجيَّة الأوروبيَّة، وتقليل الاعتماد على واشنطن (عسكريًّا، صناعيًّا، تكنولوجيًّا) وحماية الاقتصاد الأوروبي من السياسات الأميركيَّة الأحاديَّة، والأوروبيون يؤكدون هنا أنَّ أوروبا مع الشراكة، لكنَّها لم تَعُدْ تثقُ بالقيادة الأميركيَّة غير المستقرَّة.

 

أزمة الثقة لم تَعُدْ أوروبيَّة فقط، بل حتَّى أقرب حلفاء واشنطن يستشعرون تلك المخاوف والقلق من الاعتماد على الولايات المُتَّحدة، وقد بدا ذلك من خلال تصريحات رئيس وزراء كندا مارك كارني الَّذي تحدَّث بنبرة قلق وتحذير قائلًا: «إنَّ النظام الدولي القائم على القواعد والقيادة الأميركيَّة الَّذي سادَ لعقودٍ قد تعرَّض لـلتمزُّق، وإنَّ العالم دخل في مرحلة جديدة من المنافسات بَيْنَ القوى الكبرى» وهي تحذيرات أكثر وضوحًا حَوْلَ مستقبل الاعتماد على الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، وضرورة اعتماد رؤية سياسيَّة مستقلَّة، لا سِيَّما أنَّ الشرعيَّة الدوليَّة بدأتْ تتآكل، وأنَّ الكثير من الممارسات السياسيَّة تضرب بعرض الحائط ميثاق وقوانين الأُمم المُتَّحدة! وقد كان لافتًا غياب الأمين العام للأُمم المُتَّحدة أنطونيو جوتيريش عن حضور منتدى «دافوس» الأخير.

 

العالم كُلُّه يتغيَّر في ظلِّ هذه التغيُّرات، والمحور الغربي لم يَعُدْ كما كان، كما أنَّ الممارسات الدوليَّة والأحداث أصبحتْ خارج إرادة الأسرة الدوليَّة في غياب علني للأُمم المُتَّحدة؛ لذا جاءت حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو لتؤكِّدَ على ذلك الانقلاب في مفهوم العلاقات الدوليَّة والشرعيَّة الدوليَّة، وهذا بطبيعة الحال، سوف يُلقي بظلاله على سياسات المحاور الدوليَّة، بل يؤكِّد على حقيقة وفاة النظام العالمي المعاصر، وهو ما باتَ واضحًا وضوح الشمس في رابعة النهار، كما أنَّ هذه الأحداث هي رسالة تحذير شديدة اللهجة موجَّهة للعالم بأسْره، وفي مقدِّمته الدول العربيَّة الَّتي يَجِبُ عليها أن تنظرَ بمستوى عالٍ من الوعي والإدراك لتلك العناوين الَّتي تتشكل اليوم في العالم، وتلك الأعراض الَّتي بدأت تظهر بشكلٍ لافتٍ ومتسارع، وعلى دولنا العربيَّة أن تشخِّصَ تلك الحالة العالميَّة بشكلٍ دقيق، وتتخذَ السياسات والإجراءات الَّتي تكفل الحدَّ الأدنى من النجاح في عالم متقلب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى