وسط موجة عنف متصاعدة وهجمات مستوطنين مدعومة أمنيًا، تُجبر العائلات الفلسطينية في أريحا والمناطق المحيطة على الرحيل القسري. حياة السكان تتحول إلى كابوس مستمر من الاعتداءات والتهجير، فيما يمكن وصفه بالنكبة الثالثة.
الجرائم هنا لا تُقاس بعدد الجدران المحترقة فقط، بل بعدد البيوت التي هُجرت قسرًا على أيدي مستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال. أريحا، واحدة من أقدم مدن العالم، وبحسب اتفاقية أوسلو تابعة للسلطة الفلسطينية، إلا أن 77% من مساحتها تحت السيطرة الصهيونية.
المدينة لم تسلم يومًا من هجمات الاحتلال؛ فكل صباح تصحو على هدم منازل، وتهجير قسري، واعتقالات، وإرهاب مستمر لا يتوقف. العائلات الفلسطينية تُجبر على ترك منازلها تحت تهديد المستوطنين، في مشهد يومي أصبح مألوفًا ومفجعًا في آنٍ واحد.
المخطط الذي يُنفذ الآن في أريحا هدفه تفكيك وحدة المواطنين. وعلى سبيل المثال، يُعد “التجمع” واحدًا من أكبر التجمعات البدوية في الضفة الغربية، وكان يضم نحو 120 أسرة فلسطينية، إلا أن هذا العدد تقلص بشكل ملحوظ بسبب الاعتداءات المستمرة. أما العائلات المتبقية التي رفضت التهجير القسري، فتتعرض يوميًا لاعتداءات جسدية، وسرقة المحاصيل الزراعية، وأحيانًا القتل أو سرقة المواشي.
أسلوب حياة الفلسطيني جزء أصيل من تراث الضفة الغربية؛ فالزراعة، وتربية المواشي، وزراعة شجر الزيتون تشكل هوية الفلسطيني اليومية. يزرع الفلسطيني الشعير والقمح في الخليل والأغوار وأريحا، ويزرع النخيل والزيتون في جنين، ويعتمد على المواشي كمصدر رزق أساسي. هذا ما تبقى له بعد احتلال أرضه، وما تبقى له بعد قيام الدولة المزعومة.
لكن الحقد الإسرائيلي لا يترك للفلسطيني حتى أسلوب حياته اليومي البسيط. الكثير من المستوطنين تقمصوا دور المزارع الفلسطيني، يقلدون حياته بالتفصيل ويصورونه على أنه “أسلوب حياتهم في الضفة”، مدعومين بشكل مباشر من الإرهابي سموتريتش، وزير المالية الصهيوني، الذي يشجع الاستيطان ويقدم للمستوطنين عددًا كبيرًا من المواشي لدعم مشروعهم التوسعي.
إضافة إلى ذلك، يتيح الدعم المادي من حكومة الاحتلال للمستوطنين توثيق حياتهم كمزارعين ورعاة مواشي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كجزء من سرقة ممنهجة وتزوير جديد للواقع.
تخيل نفسك مواطنًا لديك منزل وأرض تزرعها، وتربي فيها الأبقار، مصدر رزقك ورزق عائلتك. يأتي غريب يعتدي عليك بالضرب أو يقتل أحد أبنائك، يستولي على منزلك، يحرق محاصيلك، يقتل أبقارك، ويجبرك على الرحيل القسري. هذا هو حال الفلسطيني اليوم في أريحا.



