تاريخ ومزارات

بلاط الشهداء.. المعركة التي أوقفت زحف المسلمين عند أبواب أوروبا

أميرة جادو

تعتبر معركة بلاط الشهداء (114هـ / 732م) واحدة من أكثر المعارك حسماً في مسار التاريخ الإسلامي، إذ وجد المسلمون أنفسهم آنذاك على مشارف فرنسا، وعلى بعد خطوات قليلة من ضمها إلى رقعة الدولة الأموية، في لحظة كانت تنذر بتحول كبير في خريطة أوروبا السياسية والحضارية.

من الأندلس إلى حدود الغال

بدأ الفتح الإسلامي للأندلس مع مطلع القرن الثامن الميلادي، حين بلغت جيوش الدولة الأموية ذروة انتشارها بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، فعبر المسلمون مضيق جبل طارق عام 92هـ / 711م، وتمكنوا خلال سنوات قليلة من السيطرة على معظم أنحاء شبه الجزيرة الأيبيرية.

وبحلول عام 114هـ / 732م، كانت الجيوش الإسلامية قد واصلت زحفها شمالاً حتى وصلت إلى بلاد الغال، وهي المنطقة التي تعرف اليوم بفرنسا.

المشهد الأوروبي

كانت أوروبا الغربية في تلك المرحلة تعيش ما اصطلح على تسميته بـ«العصور المظلمة»، في ظل انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية وتفككها إلى ممالك متناحرة. وعلى النقيض من ذلك، كانت الدولة الإسلامية تعيش أوج قوتها العسكرية وازدهارها الثقافي والحضاري.

قاد هذه الحملة القائد المسلم عبدالرحمن الغافقي، والي الأندلس، الذي عرف بالشجاعة وحسن التدبير العسكري، واضعاً نصب عينيه توسيع نفوذ الدولة الإسلامية داخل القارة الأوروبية.

الزحف نحو الشمال

في ربيع عام 114هـ / 732م، حشد عبدالرحمن الغافقي قواته، وانطلقت الجيوش من الأندلس عابرة جبال البرانس باتجاه أراضي الفرنجة.

وتمكنت من اجتياز نهر الجارون، والسيطرة على مدينة بوردو، قبل أن تواصل تقدمها شمالاً نحو مدينة تور، التي كانت تحتضن كاتدرائية مشهورة بثرواتها ونفائسها.

كان التقدم الإسلامي سريعاً وحاسماً، ولم تواجه الجيوش مقاومة تذكر في بداياتها، غير أن هذا الزحف السريع أثار مخاوف قادة الفرنجة، وفي مقدمتهم شارل مارتل، الحاكم الفعلي لمملكة الفرنجة، والذي اشتهر بلقب «المطرقة».

الاستعداد للمواجهة

بادر شارل مارتل إلى جمع جيش كبير من مختلف أنحاء مملكته، مدعوماً بمقاتلين من القبائل الجرمانية، مدركاً أن مواجهة الفرسان المسلمين تتطلب أسلوباً قتالياً مختلفاً، نظراً لما عرف عنهم من سرعة الحركة وبراعة المناورة.

واختار موقعاً استراتيجياً بين مدينتي تور وبواتييه، يتميز بأراضٍ مشجرة ووعرة، بما يحدّ من فعالية فرسان المسلمين ويمنح قوات المشاة الفرنجية أفضلية دفاعية.

أيام القتال الحاسمة

في شهر رمضان من عام 114هـ / أكتوبر 732م، التقى الجيشان في مواجهة مصيرية، قاد عبدالرحمن الغافقي الجيش الإسلامي، الذي اعتمد أساساً على الفرسان المعروفين بخفتهم وسرعتهم، إلى جانب وحدات من المشاة، وكانت راياتهم البيضاء والخضراء ترفرف في ساحة القتال.

في المقابل، قاد شارل مارتل جيش الفرنجة المؤلف من مشاة ثقيلين، مسلحين بالسيوف والبلطات والدروع، مصطفين في تشكيل دفاعي متماسك أشبه بجدار صلب.

استمرت المعركة عدة أيام، بدأت بمناوشات وهجمات استطلاعية، حاول خلالها المسلمون كسر صفوف الفرنجة عبر هجمات متكررة وسريعة، غير أن تماسك تشكيل المشاة وقوة مقاومتهم حالا دون تحقيق اختراق حاسم.

وفي اليوم الفاصل، قاد عبدالرحمن الغافقي هجوماً مركزاً سعياً لتطويق جيش الفرنجة، إلا أن القدر كان له رأي آخر، إذ سقط القائد المسلم شهيداً بسهم أثناء المعركة، وفق روايات تاريخية متعددة.

ما بعد الانسحاب

شكل استشهاد عبدالرحمن الغافقي نقطة تحول حاسمة، فانسحب الجيش الإسلامي ليلاً بشكل منظم، حاملاً جثمان قائده، وعاد أدراجه إلى الأندلس.

أطلق الفرنجة على هذه المواجهة اسم «معركة بواتييه»، بينما عرفت في المصادر العربية باسم «معركة بلاط الشهداء»، نسبة إلى كثرة الشهداء الذين سقطوا فيها، كما أن لفظ «البلاط» في العربية يشير إلى القصر أو الأرض المبلطة، وربما دلّ على موضع القتال.

نتائج صنعت التاريخ

  • توقف التوسع الإسلامي شمالاً: مثلت المعركة نهاية الزحف الإسلامي في أوروبا الغربية، وتوقفت بعدها الفتوحات شمال جبال البرانس.
  • تعاظم نفوذ الفرنجة: أسهم النصر في ترسيخ مكانة شارل مارتل، ومهد لصعود السلالة الكارولنجية، وصولاً إلى حفيده شارلمان وتأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
  • استمرار الأندلس الإسلامية: رغم الهزيمة، بقي المسلمون في الأندلس لأكثر من سبعة قرون، وواصلوا بناء حضارة مزدهرة.
  • بداية علاقة طويلة ومعقدة: دشنت المعركة مرحلة طويلة من التفاعل والصراع بين العالم الإسلامي وأوروبا المسيحية، امتدت من الحروب الصليبية إلى التبادل العلمي والثقافي.

المعركة في الذاكرة التاريخية

كما ظلت معركة بلاط الشهداء حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للطرفين؛ فقد اعتبرها المؤرخون الأوروبيون سداً حال دون الفتح الإسلامي لأوروبا، في حين ركز المؤرخون المسلمون على شجاعة الجيش الإسلامي وبسالته وتقدمه حتى أبواب فرنسا.

والجدير بالذكر أن هذه المعركة ستظل نموذجاً صارخاً للحظات التحول الكبرى في التاريخ، حين تتقاطع مصائر الأمم، وتتحدد مسارات الحضارات لعقود طويلة قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى