قبيلة مشظوف في موريتانيا بين التاريخ والكرامة حكاية لا تكتبها الأهواء
تعد قبيلة مشظوف واحدة من أكبر القبائل في موريتانيا، وقد ارتبط اسمها عبر التاريخ بالقوة والشهامة والاستقلالية، وقبل حلول القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين كانت القبيلة تستوطن منطقة تيرس الزمور، حيث عاشت فترة طويلة قبل أن تدفعها التحولات الاقتصادية والظروف الأمنية مع بداية القرن السابع عشر إلى التوجه شرقا داخل الأراضي الموريتانية، فبلغت منطقة تكانت واستقرت بها زمنا.
حكاية قبيلة مشظوف
وخلافا لما يروجه بعض من يكتبون التاريخ بدوافع غير علمية، أو بدافع الخصومة والحقد على هذه القبيلة، فإن الادعاء بأن مشظوف كانوا يدفعون غرامة لإمارة إدوعيش بعد استقرارهم في تكانت يفتقد إلى الصحة، والحقيقة أن ما جرى كان اتفاقا واضحا ومعلنا بين قبيلة مشظوف وإمارة إدوعيش، حيث اتفق الطرفان على إقامة مشظوف في أرض تكانت لمدة سنة واحدة.
وبما أن مشظوف قبيلة محاربة، وستقيم في نطاق إمارة هي الأخرى ذات طابع حربي، طلب أمير تكانت منهم دفع مال مقابل الإقامة، فقبلت القبيلة بذلك طوعا واختيارا دون أي ضغط أو إكراه، وقد جاء هذا القبول في سياق سياسي معروف آنذاك، إذ لم تكن الدولة الوطنية قائمة، بل كانت الإمارات هي الكيانات السياسية السائدة، تسيطر كل منها على مجال ترابي محدد.
وبعد انقضاء السنة، اجتمع رجال مشظوف واتخذوا قرارا جماعيا حاسما، حيث اتفقوا على أن تأخذ كل خيمة أفكراش، أي شابا يحمل بندقيته، ويسوق أمامه ناقة عجوزا، ويتوجهون جميعا إلى أمير تكانت، وكانت هذه الخطوة رسالة واضحة مفادها أن مشظوف من ذلك اليوم غير مستعدين للاستمرار في دفع ما التزموا به في السنة السابقة، وأنهم مستعدون أيضا لخوض الحرب دفاعا عن كرامتهم واستقلال قرارهم.
وعندما بلغ الخبر أمير تكانت، رحمه الله، قال لقومه إن مشظوف يريدون الحرب، ولذلك علينا أن نتركهم، فتركهم بالفعل، ولم يطلب منهم بعد ذلك شيئا مما اتفق عليه سابقا، وهو ما يؤكد أن العلاقة لم تكن علاقة خضوع أو غرامة، بل اتفاقا مؤقتا انتهى بإرادة القبيلة.
وبعد تلك المرحلة، واصلت مشظوف تحركاتها نحو الشرق، حتى وصلت إلى الحوض الشرقي سنة 1853م، وهناك خاضت القبيلة حروبا طاحنة، كان بعضها مع الأقلال، وبعضها الآخر مع إمارة أولاد أمبارك، التي أقامت مشظوف على أنقاضها إمارتها الخاصة، وبعد سقوط إمارة أولاد أمبارك، بدأت أغلب القبائل في المنطقة تدخل تحت إمرة مشظوف، اعترافا بقوتهم وتنظيمهم وقدرتهم على فرض النظام.
وتجدر الإشارة إلى أن جزءا من قبيلة مشظوف بقي في الساحل، ويعرف باسم مشظوف الساحل، كما يعرف أيضا بمشظوف آدرار، وقد استوطنت هذه المجموعة، أو غالبيتها، منطقة مقطع الحجار، كما منحتهم الدولة أرضا تبعد نحو ثمانية وثلاثين كيلومترا جنوب مكطع لحجار، أقاموا عليها حاضرة تعرف باسم تاشوط الطوبة، وبها سد عملاق يعتمد عليه في الزراعة المطرية.
وعلى مستوى البنية القبلية، تتكون قبيلة مشظوف من ستة وخمسين فخذا، ويعرف عن أبنائها احترامهم للجميع، ورفضهم المساومة على كرامتهم، وتمسكهم بالشهامة والمروءة، وهي صفات ظلت ملازمة لاسم مشظوف عبر مختلف مراحل تاريخهم، مهما اختلفت الأمكنة وتبدلت الظروف.



