حوارات و تقارير

وسم الإبل بالبحر الأحمر.. هوية قبلية تحمي السلالات وتروي تاريخ الصحراء

تزامنًا مع اتساع رقعة المراعي في الصحراء الشرقية عقب سقوط الأمطار في معظم الأودية الجبلية جنوب البحر الأحمر، لا سيما في مناطق حلايب وشلاتين ومرسى علم، تبرز الجمال كأحد أكثر الحيوانات انتشارًا بعد الأغنام في هذه الرقعة الصحراوية، ويعتمد عليها أغلب أبناء القبائل في التربية والاتجار، فيما تمثل لدى البعض الرفيق الدائم خلال التنقل بين الأودية والمناطق القبلية هناكن ولا تتوقف أهمية الجمال عند حدود الغذاء أو وسيلة النقل، بل تمتد لتصبح مكوّنًا أصيلًا من ملامح الهوية الثقافية والتاريخية لقبائل الصحراء الشرقية.

رمز الصمود والتراث القبلي

تعتبر الجمال الركيزة الأساسية في تراث قبائل حلايب وشلاتين، وبشكل خاص قبيلتي البشارية والعبابدة، حيث تتجذر مكانتها في تفاصيل حياتهم اليومية، فهي رمز للصمود في مواجهة الطبيعة القاسية، وكانت في الماضي الوسيلة الرئيسية للتنقل والاستقرار في تلك المناطق.

كما تمتد شهرة الإقليم، الواقع على الساحل الشرقي للبحر الأحمر من شمال مصر إلى جنوبها، بوفرة أعداد الجمال التي ترافق أبناء القبائل في ترحالهم بين الأودية الجبلية والمساحات الصحراوية المفتوحة.

الوسم.. علامة الهوية والملكية

ويعد “الوسم” من أبرز السمات التي تميز الجمال في الصحراء الشرقية، حيث توضع علامة خاصة على الجمل باستخدام الحديد الساخن لتحديد القبيلة المالكة له، ولا ترسم هذه العلامات بشكل عشوائي، بل هي رموز قديمة متعارف عليها بين القبائل، تستخدم لتمييز الجمال التي ترعى في المساحات الشاسعة الممتدة بين الجبال والصحاري، وتحديد تبعيتها القبلية بوضوح.

وسم الجمل باسبور العبور بين الأودية

وفي هذا الإطار، قال علي أبو الشيخ، أحد أبناء قبيلة القزايزة، إن الوسم يعد بمثابة “باسبور” أو بطاقة هوية للجمل، تفرقه عن غيره من الجمال المتشابهة في الشكل أو اللون، مؤكدًا أن لكل قبيلة وسمًا خاصًا لا يتداخل مع غيره، ما يسهل التعرف على الجمل ومالكه على الفور.

وتابع “أبو الشيخ”، أن المنطقة الممتدة على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر تضم عددًا من القبائل البدوية التي تنتشر في الأودية الجبلية والمناطق الصحراوية، من بينها العبابدة والبشارية والرشايدة في جنوب البحر الأحمر، بينما تتواجد قبائل جهينة والمعادة والقزايزة في شماله، ولكل قبيلة نطاق جغرافي محدد للرعي لا يجوز التعدي عليه، حتى في حال ترك الجمال ترعى لأشهر دون حراسة.

الوسم رخصة مرور وحماية للسلالات

ومن جهته، قال الحسن عثمان أبو عبدالله، أحد أبناء قبيلة البشارية، إن الوسم يعتبر بمثابة رخصة مرور للجمال أثناء تنقلها بين المراعي، حيث يوضع في مواضع ظاهرة مثل الفخذ أو الرقبة أو الكتف باستخدام الحديد الساخن، ما يجعل العلامة واضحة ودائمة.

ولفت “عثمان”، إلى أن الوسم تقليد ضارب في القدم وما زال معمولًا به حتى اليوم، إذ كان في الماضي وسيلة أساسية لتحديد الملكية داخل المراعي الواسعة التي تختلط فيها الجمال، بينما أصبح حاليًا وسيلة لحماية السلالات النادرة والحد من سرقة الإبل، مؤكدًا أن الجمال المخصصة للبيع لا توسم إلا بعد تسلّم المشتري لها.

علامة نسب وشرف يدوى

وأوضح “عثمان”، أن الوسم لا يعبر فقط عن هوية الجمل ومالكه، بل يعكس نمط الحياة البدوية في صحراء البحر الأحمر، حيث لا تزال هذه التقاليد حاضرة بقوة في الوجدان اليومي لأبناء القبائل، باعتبار الجمل رفيق الرحلة، والوسم علامة نسب وشرف تربط الجمل بصاحبه وقبيلته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى