المزيد

العرضة السعودية.. فن تراثي فريد يعكس التلاحم الأبدي بين الشعب والقيادة

تتعدد الفنون التراثية في المملكة العربية السعودية وتتنوع ألوانها الفلكلورية بحسب طبيعة كل منطقة، ومن أبرز هذه الفنون الشعبية “العرضة السعودية”، التي تجسد جمال الأداء وتنطق بأهازيج ذات عمق تاريخي متجذر في وجدان الشعب، كما تعتبر العرضة السعودية من مظاهر التلاحم الفريدة بين القيادة والشعب، حيث يؤديها الرجال بروح حماسية عالية، يعبرون من خلالها عن الولاء والانتماء، مستعرضين أمام قائدهم مشاعر الوفاء وحب الوطن.

العرضة السعودية من الحرب إلى ساحات الفرح

أصل العرضة يعود إلى ساحة الحرب، حيث كانت تُستخدم وسيلةً لاستعراض الجاهزية العسكرية، إذ يراجع القائد استعداد جنوده قبل دخول المعارك، رافعًا من معنوياتهم في مشهد يجسّد الشجاعة والفروسية. ولم تغب العرضة عن مشهد توحيد المملكة، فقد حرص الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – على أدائها قبيل انطلاق عمليات التوحيد الكبرى.

ومع استقرار الأوضاع، تحولت العرضة من استعداد للحرب إلى رمز احتفالي يعكس الفرح والاعتزاز بالهوية، وتؤدى اليوم في المناسبات الرسمية الكبرى، وتُستخدم لاستقبال كبار الضيوف من رؤساء الدول والشخصيات المهمة.

أركان العرضة السعودية

كما تمتاز العرضة السعودية برونق بصري فريد، يجمع بين الهيبة والنظام؛ إذ تصطف الصفوف بترتيب موحد، وترتفع الرايات والسيوف في وحدة زي ملفتة للنظر، وتُختتم بـ”الزمية” الشهيرة: “تحت بيرق سيدي سمع وطاعة”.

ومن أبرز أركان العرضة السعودية في نقاط مرتبة:

  • البيرق
  • المحورب
  • الصفوف
  • القصيدة
  • الملقن
  • الطبول
  • سبحة الدير
  • السلاح
  • أزياء العرضة
  • الزمية

أداء منظم وأسلوب خاص

تقسم العرضة إلى فريقين:

  1. منشدو القصائد الحماسية.
  2. حملة الطبول.

كما يتوسطهما حامل البيرق، ويبدأ الشاعر ما يعرف بـ”الشوباش”، فينادي بأبيات قوية تنادي المشاركين لتشكيل صفين متقابلين يتراوح عددهم بين 40 إلى 50 عارضًا، يمسكون بأيدي بعضهم بعضًا بتماسك وانسجام.

عند أداء القصيدة، يبدأ الصف بما يسمى “النزر”، أي الميل لليمين ثم لليسار دون تراقص، وحين يبدأ قرع الطبول، يتمايل الصف في حركة متناغمة مع انحناءة الركبتين، بينما يرفعون سيوفهم في حركات موحدة تعبّر عن فخرهم بالوطن وقادته.

الطبول.. روح العرضة

يستخدم في العرضة نوعان من الطبول:

  • الكبيرة: “التخمير”
  • الصغيرة: “التثليث”

ويقرع الطبل بعصا معقوفة، ويغطى بجلد الجمل ويزين بأقمشة وخيوط ملوّنة. ويؤدي قارعو الطبول الصغيرة حركات إيقاعية متناسقة تشمل القفز والجلوس والقيام، مع تحريك الجسم وثني الركبتين، في تناغم بصري يثري المشهد العام للعرضة.

عرضة الخيل.. “نخوة الحداء”

كما يشارك الفرسان في أداء العرضة من على صهوات الجياد في فن يعرف بـ”الحدوة”، يبدأها الفارس وحده لتعريف نفسه ثم يلتحق بالصف، مرددًا القصائد بفخر إلى جانب باقي الفرسان، في صورة تراثية تعكس أصالة الفروسية السعودية.

“نخوة العوجا” ومجد القصائد

من أبرز قصائد العرضة “نخوة العوجا” التي ارتبطت بأسرة آل سعود منذ الدولة السعودية الأولى، وتتضمن مفردات راسخة في الذاكرة الوطنية مثل:”حنا أهل العوجا” و”خيال العوجا وأنا ابن مقرن”، ومن أشهر أبياتها التي لا تزال تتردد:

مني عليكم يا هل العوجا سلام
واختص أبو تركي عمى عين الحريب

يا شيخ باح الصبر من طول المقام
يا حامي الونات يا ريف الغريب

اضرب على الكايد ولا تسمع كلام
العز بالقَلطات والراي الصليب

زي العرضة.. زهو الألوان وفن التطريز

تتميز أزياء العرضة بألوانها الزاهية وتصميمها التقليدي الفخم، وتشمل:

  • الدقلة
  • السديري
  • الزبون
  • الشلحات (الثوب الفضفاض ذو الأكمام الواسعة)
  • البشت
  • الصاية
  • الجوخة
  • القرملية (زي خاص بحاملي الطبول)
  • السيف، أو البندقية

حظيت العرضة السعودية باهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – الذي أولى التراث الوطني رعاية خاصة، وقد توج هذا الاهتمام بإدراج العرضة السعودية عام 2015م في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، وتأسيس المركز الوطني للعرضة السعودية في عام 2017م ضمن دارة الملك عبدالعزيز، ليكون مرجعًا وبيتًا لهذا اللون الفني العريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى