غزال مطروح.. حكاية الحرية التي تمشي على الرمال
حتى وقت قريب، كان الغزال يجوب صحارى مطروح بحرية كاملة، ينساب حضوره فوق الرمال كأنه جزء أصيل من المشهد الطبيعي، بخطوات خفيفة وظل أنيق يرافقه أينما ذهب، عاش أهل مطروح مع الغزال حكايات لا تنسى، تناقلوها جيلا بعد جيل في ليالي البادية حول النار، حيث تختلط قصص الصيد بذكريات الأرض، ويصبح الغزال بطلا دائما في الذاكرة الشعبية.
رمزية الغزال لا تتوقف عند جمال شكله أو اتساع عينيه، بل تمتد إلى معان أعمق مثل الرشاقة، والأصالة، والحرية، وهي القيم نفسها التي تعبر عن روح مطروح وتاريخها، وكأن الغزال صورة حية لهذه الأرض الواسعة.
حديقة الغزالة في مطروح والغزال المصري
قبل أن يسلك الغزال طريقه نحو الاختفاء بسبب الصيد الجائر، وزحف العمران، والتعدي المستمر على بيئته الطبيعية، انتشر الغزال في فلوات مصر وصحاريها الغربية والشرقية، وعلى امتداد السواحل والجبال الوعرة من سيناء وحتى مطروح، كما حظي الغزال بمكانة خاصة عند البدو، فتغزلوا في عينه الواسعة، وقرونه الطويلة، ورشاقته في المشي والجري، حتى دمه لم يسلم من هذا التغزل الذي يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والصحراء.
ورغم أن البدو السواحلية عاشوا بالقرب من الشريط الساحلي، إلا أنهم لم يتخذوا البحر حرفة لهم، فقد ظل البحر في مخيلة البدوي مصدرا للخطر والشر، تسكنه الجن وتجوبه سفن القراصنة، كما ارتبط البحر في كثير من الديانات السماوية والأساطير العالمية بعوالم الغيب، حيث يقال إن الجن سكنوا الأرض قبل آدم، وهو ما عمق هذا النفور التاريخي من البحر.
شهادات المستشرقين والرحالة
أكد السير تشارلز بليجريف، الحاكم الإداري لمحافظة الصحراء الغربية عام 1920، هذه الحقيقة في مذكراته، حيث عبر عن دهشته من غياب حرفة صيد السمك وأعمال البحر عند البدو، رغم أن ساحل مطروح استقبل سفن الصيد اليونانية والإيطالية، وانتشرت عليه مخازن الإسفنج قرب موقع متحف روميل الحالي، كما توفرت مرافئ جيدة للصيد والتجارة مثل مرفأ الأبيض والسلوم.
ويذكر المستشرق برترام توماس أن البدو الرحل تركوا الزراعة لأنها تعرضهم لظلم السلطة ونظام السخرة، بينما عرض البحر حياتهم لغدر القراصنة وأصحاب الأرض القدامى، لهذا أطلق البدوي على العمل اسم المهنة، والمهنة من المهانة، ولجأ أهل البادية إلى الجنوب حيث الصحراء وخيراتها، فاعتمدوا على صيد الغزلان، والأرانب البرية، والطيور مثل القطا والحجل والسمان.
صيد الغزال في لوحات المستشرقين
وثق المستشرقون رحلات الصيد البدوية في مجموعة من اللوحات، تظهر إحداها استخدام البازي أو الصقر في صيد الغزال، عرف البدو طرقا متعددة لصيد الغزال في الصحاري المصرية قبل انتشار الأسلحة النارية، فاستعانوا بالصقور والكلاب السلوقية.
درب الصقر على مهاجمة الغزال ونقر عينه حتى يسقط، ثم ينقض عليه الكلب السلوقي، وهو أسرع كلاب الصيد في العالم، وسماه العرب عدو الغزال كما ورد في موسوعة وصف مصر، بعد ذلك يلحق به البدوي ممتطيا حصانه العربي الأصيل ويقوم بذبحه.
وتظهر في اللوحات الخيول العربية المصرية الأصيلة، وهي من أجمل وأفضل سلالات الخيول العربية، وتنقسم إلى خمس فصائل رئيسية هي الصقلاوية، والعبيان، والكحيلان، والدهمان، والهدبان، ولكل فصيلة سماتها الخاصة التي تميزها.
الغزال رمز مطروح
جسد الغزال مكانته في الوعي الجمعي لأهل مطروح، فظهر رسمه على غلاف العدد الأول من مجلة مطروح عام 1960 بوصفه رمزا للمحافظة، كما يتصدر تمثال الغزال مدخل ديوان عام محافظة مطروح حتى اليوم.
اختفاء الغزلان من صحراء مطروح
في السبعينيات والثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات، عاش الغزال في صحراء مطروح قرب مدينة مرسى مطروح، وكان كثير من السكان يتوجهون لصيده في مناطق قبلي الحرف عند نهاية هضبة مارمريكا، اقتربت قطعان الغزلان من أرض مطار مطروح لتشرب الماء ثم تعود إلى الصحراء، لكنها اختفت تماما مع بداية الألفية الجديدة، كما يطرح هذا الاختفاء أسئلة ملحة، أين ذهبت غزلان مطروح، وما أسباب وجودها في مناطق معينة، وهل تتنقل الغزلان مع تغير المناخ، هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسات علمية وبيئية وتراثية معمقة.
أنواع الغزلان في الصحراء الغربية
غزال المهر أو غزال داما، واسمه العلمي Nanger dama، يعد من أبرز أنواع الغزلان الإفريقية التي عاشت في الصحراء الكبرى. هاجر هذا الغزال صيفا بحثا عن الغذاء، ثم عاد مع هطول الأمطار ونمو النباتات تعرض غزال المهر لتهديد حقيقي بالانقراض نتيجة الصيد الجائر الذي استهدف لحومه وجلودِه.
عاش غزال داما في إفريقيا وامتد إلى المغرب ومصر، واستوطن المناطق الجافة والهضاب والمراعي، وفضل السهول الحجرية المسطحة، وتناقصت أعداده بشكل ملحوظ بسبب الصيد الجائر والمناخ الجاف الذي لم يعد ملائما لمعيشته.
تميز غزال المهر بقوامه النحيل ومعطفه المزين ببقع حمراء مائلة للبني مع الأبيض، وتختلف ألوانه حسب السلالات. امتلك قرونا منحنية للخلف على شكل حرف S، وكان وزن الذكور أكبر من الإناث، كما ارتبط معدل الأيض بحجم الجسد.
بدأ موسم التزاوج بين أغسطس وأكتوبر، وأظهرت الذكور سلوكا عدوانيا من خلال التبول والتبرز لتحديد مناطق النفوذ، مع مطاردة الإناث وطرد الذكور المنافسة، ولدت الأنثى خشفا واحدا سنويا، وعزلته عن القطيع، ودافعت عنه حتى بلغ مرحلة الاعتماد على النفس، عاش غزال داما نحو 12 عاما في البرية، وامتد عمره في الأسر إلى 18 أو 19 عاما.
اعتمدت غزلان المهر على الحشائش، وأعشاب الصحراء القاسية، وأوراق شجر السنط، واستمدت معظم احتياجاتها من الماء عبر عصارات النباتات، و عاشت هذه الغزلان في جماعات اجتماعية، وواجهت مفترسات مثل بنات آوى، والفهود، والضباع المرقطة، والأسود.



