إشعال النيران وتحطيم الأواني والرقص طوال الليل.. أغرب الاحتفالات برأس السنة حول العالم

منذ بدايات التاريخ، لم يتعامل الإنسان مع قدوم العام الجديد كحدث عابر يمر في صمت أو تأمل، بل أحاطه بطقوس واحتفالات متعددة، تنوعت بين البسيط والمألوف، وبين الغريب حد الدهشة، حتى بدت بعض الممارسات خارجة عن المألوف.
طقوس الاحتفال برأس السنة
وعلى اختلاف هذه الطقوس، فإنها تكشف عن حقيقة واحدة، مفادها أن رأس السنة لحظة إنسانية استثنائية، تدفع الشعوب للتعبير عن الأمل والخوف والرغبة في التجدد بأساليب قد تبدو عجيبة في ظاهرها، لكنها عميقة المعنى في جوهرها.
وفي العصور القديمة، ارتبطت غرابة الاحتفالات بالخوف من المستقبل ومحاولة استرضاء القوى الغيبية، ففي حضارات وادي الرافدين، اعتقد الناس أن مصير العام الجديد يحسم في أيامه الأولى، فلجأوا إلى طقوس رمزية وقرابين تعبيرًا عن الرجاء في عام يسوده الأمان والاستقرار، وكانت هذه الممارسات انعكاسًا لهشاشة الإنسان القديم أمام الطبيعة وتقلباتها، لا تعبيرًا عن قسوة أو عنف.
تبادل الأدوار في روما
أما في روما القديمة، فقد اكتسب الاحتفال طابعًا اجتماعيًا لافتًا، حيث سمح للعبيد خلال أيام محددة من رأس السنة بتبادل الأدوار مؤقتًا مع أسيادهم.
وكان هذا القلب الرمزي للنظام الاجتماعي تعبيرًا عن إيمان عميق بأن الزمن الجديد يتيح فرصة لإعادة التوازن، ولو لساعات، وكأن المجتمع يعترف بإمكانية التغيير مهما كان مؤقتًا.
الضجيج لطرد الشر
وفي بعض الحضارات الشرقية القديمة، ظهرت عادات تقوم على إحداث ضجيج متعمد ليلة رأس السنة باستخدام الطبول والنيران والأصوات العالية، اعتقادًا بأن الأرواح الشريرة تنشط مع تبدل الأعوام.
ولم يكن الهدف الاحتفال في حد ذاته، بل الحماية، إذ رأى الإنسان القديم أن بداية العام لحظة صراع خفي بين قوى الخير والشر.
النيران وكسر الأواني
ومع دخول العصور الوسطى، لم تختفِ مظاهر الغرابة، بل أعيد تشكيلها بما يناسب الواقع الاجتماعي آنذاك، ففي مناطق أوروبية عدة، اعتاد الناس إشعال نيران ضخمة في الساحات العامة ليلة رأس السنة، إيمانًا بأن النار تطهر ما علق بالعام المنصرم من شرور ونحس.
وفي مناطق أخرى، انتشرت عادة كسر الأواني القديمة أمام المنازل، في مشهد صاخب يرمز إلى التخلص من ثقل الماضي واستقبال المستقبل بخفة وأمل.
قراءة الغيب في شمال أوروبا
في شمال أوروبا، حيث يطول الشتاء ويشتد الظلام، لجأ الناس إلى طقوس تمزج الغرابة بالتفاؤل، مثل صهر المعادن وسكبها في الماء، ثم محاولة قراءة المستقبل من الأشكال الناتجة.
ورغم بساطة هذه الممارسة، فإنها تعكس حاجة إنسانية أصيلة إلى استكشاف المجهول، خاصة في لحظة انتقالية كقدوم عام جديد.
في العصر الحديث، اتخذت غرابة الاحتفالات أشكالًا أكثر جرأة وطرافة، إذ يستقبل بعض الناس العام الجديد بالقفز من أماكن مرتفعة نسبيًا أو بتحطيم أشياء قديمة، تعبيرًا عن القطيعة مع الماضي والدخول الحاسم إلى المستقبل.
مهرجانات الطعام كرمز للحظ
وفي أماكن أخرى، تتحول ليلة رأس السنة إلى مهرجان جماعي للطعام، حيث يعتقد أن تناول أصناف محددة في اللحظات الأولى من العام الجديد يجلب الحظ الجيد والرخاء، في تداخل واضح بين المعتقد الشعبي والاحتفال الاجتماعي.
تنظيف البيوت في شرق آسيا
في شرق آسيا، لا تزال بعض المجتمعات تحافظ على عادات غريبة تعود إلى قرون مضت، مثل تنظيف البيوت تنظيفًا شاملًا قبل بداية العام، مع الامتناع عن التنظيف بعد دخوله مباشرة، اعتقادًا بأن ذلك يمنع «كنس الحظ» خارج المنزل، ورغم بساطة هذه العادة، فإنها تعكس تصورًا عميقًا للعلاقة بين النظام المادي والاستقرار المعنوي.
ملابس داخلية بلون موحد في أمريكا اللاتينية
أما في أمريكا اللاتينية، فتبلغ غرابة الاحتفالات ذروتها في بعض المناطق، حيث يرتدي الناس ملابس داخلية بألوان محددة ليلة رأس السنة، لكل لون دلالة رمزية مرتبطة بأمنيات مثل الزواج أو الثراء أو الصحة.
وعلى الرغم من الطابع الساخر لهذه العادة، فإنها تعبر عن محاولة شعبية للتحكم الرمزي في المصير، ولو عبر تفاصيل صغيرة.
الرقص طوال الليل في إفريقيا
ولا تخلو القارة الإفريقية من احتفالات لافتة، إذ تستقبل بعض المجتمعات العام الجديد بطقوس جماعية تشمل الرقص لساعات طويلة طوال الليل أو السير حفاة لمسافات معينة، في إشارة إلى الصبر والقوة والاستعداد لمواجهة تحديات العام المقبل. و
في هذه الطقوس، تختلط الأسطورة بالحياة اليومية في مشهد يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والزمن.
الهدوء المصري
وفي مصر، ورغم أن الاحتفال برأس السنة يتسم عمومًا بالهدوء مقارنة ببعض الدول، فإنه يحمل طابعًا خاصًا يجمع بين البساطة والتأمل، فالمصريون، بحكم تاريخهم الطويل مع الزمن والتقويم، يميلون إلى استقبال العام الجديد بالأمل أكثر من الانغماس في الطقوس الغريبة، وتظل السهرات العائلية وتبادل التهاني ومتابعة اللحظات الأولى من العام الجديد أبرز مظاهر هذه المناسبة بما تحمله من دفء إنساني.
سر العادات الغريبة
وتكشف هذه الجولة بين أغرب احتفالات رأس السنة حول العالم أن الغرابة لا تكمن في الفعل ذاته، بل في معناه، فما يبدو غير مألوف في ثقافة ما قد يكون تعبيرًا صادقًا عن الخوف أو الرجاء أو الرغبة في التغيير داخل ثقافة أخرى، فالإنسان في تلك اللحظة الفاصلة بين عامين يصبح أكثر ميلًا للرمز وأكثر استعدادًا للإيمان ببداية جديدة.
وعلى الرغم من اختلاف الشعوب في طرق استقبال رأس السنة بين الغرابة والطرافة والهدوء، يبقى المعنى الإنساني واحدًا، وهو الأمل في بداية جديدة تحمل الخير والاستقرار. ومع انطلاق عام جديد، تبقى الأمنية الدائمة أن يكون عامًا مليئًا بالسلام والعمل والنجاحات، وأن يحمل أيامًا أفضل للجميع، وكل عام وأنتم بخير.



