كنيسة شفاء العشرة البرص في برقين.. ذاكرة المعجزة وروح المكان

لا تعلم جوليا ابنة العامين وهي تركض بفرح بين أزهار الليمون وأشجار الصنوبر في حديقة كنيسة العشرة البرص ببلدة برقين شمال الضفة الغربية، أنها تتحرك داخل واحد من أقدم الشواهد المسيحية في العالم، ولا تدرك أن خطواتها الصغيرة تلامس أرضا احتضنت معجزة خالدة للسيد المسيح قبل نحو ألفي عام، في مكان لا يبعد سوى أمتار قليلة عن الكهف الذي شهد شفاء عشرة من المصابين بمرض البرص، أولئك الذين طلبوا العون والرحمة كما ورد في إنجيل لوقا، وهناك حيث تصحبها والدتها من حين لآخر هربا من رتابة أيام كورونا، يسود جو من السكينة والروحانية، يتضاعف أثره مع اقتراب موعد القداس السنوي الذي يحيي ذكرى أعجوبة الشفاء.
قصة كنيسة شفاء العشرة البرص
تحمل الكنيسة اسم القديس جاورجيوس كما يوضح القائم بأعمالها معين جبور، إلا أنها تعرف على نطاق أوسع باسمها التاريخي كنيسة شفاء العشرة البرص، ففي كهف كان في الأصل صهريج ماء روماني يعود عمره إلى أكثر من ألفي عام، وقعت المعجزة حين كان المصابون معزولين داخله التزاما بشريعة موسى التي تمنع اختلاطهم ببقية السكان خوفا من العدوى، وفي أثناء مرور السيد المسيح من الجليل إلى القدس، شفاهم جميعا في ذلك الموضع، فصار الكهف شاهدا حيا على واحدة من أشهر معجزات الشفاء في التاريخ المسيحي.
حرصا على صون هذا المكان، قامت الملكة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين الأكبر بتشييد أول كنيسة في الموقع مطلع القرن الرابع الميلادي، غير أن الكنيسة عاشت مصيرا مشابها لغيرها من كنائس فلسطين التاريخية، إذ تعرضت للهدم مرات عدة، فبعد بنائها عام 336 دمرها الفرس عام 614، ثم أعيد تشييدها عام 900، قبل أن تهدم مجددا بفعل زلزال كبير عام 1100، أما البناء القائم اليوم فقد شيد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1300 و1800، محافظا على جوهر المكان وروحه.
تنتمي كنيسة العشرة البرص إلى طائفة الروم الأرثوذكس، وتعد رابعة أقدم كنائس فلسطين بعد القيامة والمهد والبشارة، وتحتضن معالم نادرة تجعلها فريدة بين كنائس العالم، من أبرزها كرسي البطريرك المصنوع من الحجر والذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي، وهو الوحيد من نوعه في فلسطين، إضافة إلى جرن المعمودية القائم في موقع البئر القديمة ويبلغ عمره نحو 900 عام، ولا يزال مستخدما حتى اليوم، كما تضم الكنيسة جدار قدس الأقداس المصنوع بالكامل من الحجر القديم، والمحافظ على تصميمه الأصلي منذ قرابة تسعة قرون، إلى جانب الهيكل المقدس لأيقونة المسيح الذي يعود عمره إلى 250 عاما، كما لا تزال فتحات سقف البئر الذي آوى المصابين العشرة قائمة كما كانت، وقد استخدمها أهالي القرية قديما لإنزال الطعام والماء للمرضى.
خلال أعمال الترميم التي جرت عام 2010، كشفت الأرض عن اكتشافات أثرية لافتة، حيث عثر على جثامين ثلاثة كهنة وطفل صغير مدفونين تحت أرض البئر، وتبين لاحقا أن دفنهم يعود إلى نحو 500 عام، ثم اكتشف جثمانا كاهنين آخرين، فوضعت رفات الكهنة الخمسة في قبر خاص ملاصق لجدار الكنيسة من الخارج، كما عثر مع الجثامين على إنجيل باللغة العربية، وصليب خشبي قديم، وقناديل رومانية، وخاتم بيزنطي، إلى جانب قارورتين تحويان زيتا مقدسا وميداليات خاصة بالكهنة، وأظهرت الفحوصات أن عمر هذه القطع يتراوح بين 500 و600 عام، وفي أثناء ترميم الكنيسة عام 2007 تم اكتشاف بئر رومانية في الساحة الخارجية تتكون من ثلاث غرف تحت الأرض وبابين، ويعتقد أنها كانت مركزا للعبادة السرية في القرن الأول خلال فترات الاضطهاد قبل بناء الكنيسة.
رغم هذه الأهمية التاريخية والدينية، عانت كنيسة العشرة البرص لسنوات طويلة من غياب السياحة العربية والأجنبية، إذ كانت المكاتب السياحية الإسرائيلية تتذرع بالوضع الأمني في المناطق الفلسطينية المصنفة أ، ما دفع اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس ووزارة السياحة والآثار الفلسطينية إلى تنفيذ سلسلة من المشاريع، شملت تأهيل ساحة البلدة والشارع المؤدي للكنيسة، وترميم المعالم التاريخية المحيطة بها من عيون مياه ومقامات إسلامية وقصور عثمانية، إلى جانب تحسين مرافق الكنيسة الداخلية.
في هذا السياق يؤكد الناطق باسم وزارة السياحة والآثار جريس قمصية أن إنعاش السياحة المحلية وإحياء المسارات التاريخية يمثل رسالة صمود وإصرار على البقاء، وفرصة لتعريف العالم بفلسطين ومواقعها السياحية، مشيرا إلى أن عدد الكنائس الأثرية والتراثية في فلسطين يبلغ نحو 600 كنيسة، لا يزال بعضها مستخدما حتى اليوم، ومن بينها كنيسة العشرة البرص في برقين، التي تعد محطة جذب سياحي رئيسية في شمال الضفة الغربية، وعنصرا أساسيا في تطوير السياحة الداخلية، ومعلما حيا يجمع بين الإيمان والتاريخ والهوية.



