تاريخ ومزارات

المحيا حين يكتب الضوء رسالة رمضان على مآذن تركيا

ما إن يهل شهر رمضان المبارك في تركيا حتى تتبدل ملامح المدن، وتتلألأ السماء فوق المساجد بأضواء خاصة، تتدلى بين المآذن حاملة عبارات ترحيب بالشهر الكريم مثل أهلا بك يا رمضان، وعند اقتراب وداعه تتحول الكلمات إلى وداعا يا رمضان، في مشهد بصري أصبح جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الرمضانية التركية.

تعرف هذه العادة باسم المحيا، وهي لافتات ضوئية تعلق بين مئذنتي المساجد الكبرى خلال شهر رمضان، وتعرض عبارات دينية تتغير على مدار الشهر، ويعود أصل هذا التقليد إلى العهد العثماني، حيث نشأت كمظهر فني وديني فريد، ويطلق على من يتولى كتابة هذه العبارات وتعليقها بين المآذن اسم المحياجي، وهي مهنة حملت طابعا خاصا ومكانة مميزة عبر القرون.

مكانة المحيا

احتلت المحيا مكانة كبيرة في قلوب سكان الدولة العثمانية وزوارها، حتى أن الأجانب كانوا يتداولون الحديث عنها بإعجاب قائلين إن الأتراك نجحوا في إنزال النجوم من السماء واستخدامها للكتابة بين المآذن، في وصف بليغ يعكس دهشة الزائرين من هذا الفن الضوئي الفريد.

ويعود تاريخ أول محيا إلى أكثر من أربعمئة وخمسين عاما، إذ علقت أولى لافتاتها في عهد السلطان أحمد الأول بين مئذنتي جامع السلطان أحمد الشهير في إسطنبول، لتتحول منذ ذلك الحين إلى تقليد رمضاني راسخ لا يغيب عن سماء المدن التركية.

رمضان والتراث العثماني

لم يفقد شهر رمضان مكانته لدى الشعب التركي مع مرور الزمن، بل حافظ على عاداته العثمانية التي أهدت للشهر الفضيل مهنة المحيا، والتي ما زالت حاضرة حتى اليوم، وإن اختلفت أدواتها وأساليبها.

وأصبح هذا التقليد تشرف عليه رئاسة الشؤون الدينية، حيث تستخدم الأسلاك الكهربائية الحديثة لرسم الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والمواعظ، وتعلق بين مآذن المساجد الكبرى في مختلف أنحاء البلاد، لتصل الرسائل الدينية إلى الناس في صورة بصرية مؤثرة.

وفي هذا السياق، أوضح محمود تملي مسؤول العلاقات الخارجية في رئاسة الشؤون الدينية أن المحيا فن وتراث عثماني عريق يعود إلى نحو 450 عاما، مشيرا إلى أن الجوامع في تلك الحقبة كانت تزين بمصابيح زيتية تشكل جملة أو رمزا، وكانت وسيلة بصرية فريدة في زمن لم تعرف فيه المجتمعات التلفاز أو الصحف أو السينما.

وأضاف أن الناس كانوا يتنقلون بين الجوامع الكبيرة لمشاهدة هذا الفن، ومع تأسيس الجمهورية التركية تم الانتقال من المصابيح الزيتية إلى الأنظمة الكهربائية، مع الحفاظ على روح المحيا ومعناه.

تصاميم المحيا

وأشار تملي إلى أن العمل على إعداد المحيا يبدأ مبكرا، إذ تنطلق الورش التابعة لمديرية الأوقاف العامة في إسطنبول منذ منتصف شهر شعبان، من أجل تصميم عبارات مضيئة من أحاديث وأقوال وأدعية، وتجهيزها لتعليقها على مآذن المساجد مع بداية رمضان.

وأوضح أن أول محيا في رمضان الحالي حمل عبارة الصوم زكاة البدن، تلتها عبارة كل وأطعم ولا تسرف، في رسائل تجمع بين التذكير الديني والدعوة إلى الاعتدال والإحسان.

وأكد أن كلمة محيا ذات أصل فارسي وتعني ماهية أي الشهري، أما كلمة ماح فتعني القمر، وفي اللغة العثمانية تدل على نور الوجه، وهو معنى ينسجم مع طبيعة هذا الفن الذي يضيء ليالي رمضان.

واعتبر تملي أن الهدف الأساسي من المحيا هو توجيه الناس نحو الخير والثواب، وتذكيرهم بشكر الله على نعمه، وبقيم الإحسان والتراحم التي يتميز بها الشهر الفضيل.

قناديل الزيت وبراعة الحرفيين

تشير المصادر والصحافة التركية إلى أن المحيا في العهد العثماني كانت تصنع من قناديل مضيئة بزيت الزيتون، تركب على حبال مشدودة بين مئذنتين، وكانت المحيا الواحدة تضم ما بين أربعمئة وخمسمئة قنديل، صممت بعناية حتى لا تنطفئ بسرعة ولا تتسبب في حرائق.

وكانت صناعة المحيا عملية شاقة ومكلفة، تتطلب مهارة عالية وشجاعة كبيرة من المحياجي، خاصة عند الصعود إلى ارتفاعات شاهقة لتعليق القناديل، ورغم ذلك كان الحرفيون يتنافسون على تغيير العبارات بشكل متكرر، بل ويومي بعد صلاة التراويح، ما أضفى حماسا خاصا على ليالي رمضان في تلك العصور.

وفي عام 1724 علقت المحيا على مآذن آيا صوفيا لأول مرة، لتضيف بعدا جديدا إلى المكانة الرمزية لهذا الصرح التاريخي.

تطورات المحيا وطرائف تاريخية

نجح عبد اللطيف أفندي، كبير حرفيي المحيا، في تطوير هذا الفن، حيث ابتكر محيا تتحرك من اليمين إلى اليسار، وعلقها بين مئذنتي جامع السليمانية مستخدما ثلاثة حبال، وبعد وفاته عام 1787 واصل أبناؤه حمل هذه المهنة، لتنتقل من جيل إلى جيل.

وتذكر تقارير تاريخية أنه في عام 1878 تم تركيب محيا في جامع بايزيد تضمنت رسما لمدفعية تطلق النار على قلعة، وهو تصميم أثار جدلا عندما شاهده سفير بريطانيا آنذاك، إذ اعتقد أنه يرمز إلى قصف كنيسة، فقدم احتجاجا رسميا، قبل أن توضح له السلطات العثمانية حقيقة التصميم ومقصده.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى