تاريخ ومزارات

أسرار قلعة هيت المنسية في غرب العراق، مدينة قاومت الزمن وما زالت تبحث عمن ينقذ تاريخها

إلى أقصى غرب العراق وتحديدا على بعد يقارب مئة وسبعين كيلومترا غرب العاصمة بغداد، وعلى الضفة اليمنى من نهر الفرات الذي يشق محافظة الأنبار، تقف مجموعة من المآثر التاريخية التي ضربها الإهمال وتساقط جزء كبير منها، بينما بقي ما تبقى من أطلالها يقاوم الزمن، ليشهد على مدينة قديمة وحضارة عريقة عاشت هنا منذ آلاف السنين، إنها مدينة هيت التي تعرف اليوم بهيت القديمة أو قلعة هيت.

أسرار قلعة هيت المنسية في غرب العراق

تعد قلعة هيت واحدة من أهم القلاع التاريخية في العراق، وتضاهي في مكانتها قلعة أربيل وقلعة كركوك، فقد ذكرت المصادر أن سفينة نوح تم طلاؤها بالقار الذي اشتهرت به المدينة بجودته العالية، كما استخدمت مدينة بابل القار المستخرج من هيت في طلاء أبراجها ومعالمها، وهذه الشواهد تمنح القلعة عمقا تاريخيا كبيرا وتوضح حجم تأثيرها في الحضارات القديمة.

كانت قلعة هيت في مقدمة المدن التاريخية الكبرى، إذ يذكر الباحثون أنها جاءت ضمن أوائل المدن القديمة بعد مدينة أريحا في فلسطين ومدينة دمشق في سوريا، وهذا ما يبرز أهميتها التاريخية التي ما زالت آثارها حاضرة رغم الدمار الذي طال أجزاء واسعة منها.

أكد الباحث التاريخي فوزي شعبان أن قلعة هيت ترتفع أربعة عشر مترا عن مستوى نهر الفرات، وتضم ما يقارب مئة وخمسين منزلا لا تتجاوز مساحة الواحد منها أربعين مترا، إضافة إلى أزقة ضيقة بعرض يقارب مترين، مع وجود نحو مئة ديوان خصصت لاستقبال الضيوف والمسافرين الذين مروا عبر هيت نحو مدن العالم المختلفة، ويوضح أن التدهور أصاب معظم هذه المعالم نتيجة الإهمال، ولم يبق منها سوى آثار قليلة تروي قصة مدينة كانت يوما من أعظم المدن التاريخية.

القلعة ملاذا روحيا

وتشير المرويات القديمة إلى أن القلعة كانت محاطة بسور كبير يضم أربعة أبواب، بعض هذه الأبواب كان مرتفعا لمراقبة السفن العابرة، كما كانت المدينة محاطة بالمياه وخندق عريض وفر لها حماية قوية وشكّل طوقا أمنيا لها.

أما أهالي المدينة فما يزالون يجدون في القلعة ملاذا روحيا يستعيدون فيه ذكريات الماضي، إذ يصف الحاج حمدي، أحد وجهاء هيت، المدينة القديمة بأنها كنز تاريخي يمتلئ بالحكايات، فكل شارع يحمل قصة، وكل حجر يروي حضارة، والمكان يجمع بين مراحل ما قبل الإسلام وما بعده، ما يجعله رحلة ممتدة عبر الزمن.

ويعبر صباح الحمامي بحسرة عن واقعه المؤلم وهو يشير إلى الأطلال، موضحا أن مدينة بهذا العمق التاريخي لا يجوز أن تتعرض للتخريب، لكن غياب الدور الرقابي وضعف الاهتمام الحكومي سمحا للبعض بالمساس بمعالمها وتدمير جزء من آثارها، مؤكدا أن هذه القلعة لو وجدت في دول أخرى لعوملت كموقع مقدس يمنع الاقتراب منه.

ورغم محاولات السكان للحفاظ على ما تبقى من القلعة، إلا أن الإدارة المحلية تؤكد أن مواردها المالية محدودة ولا تسمح بإطلاق مشاريع ترميم واسعة تعيد للمدينة مكانتها التي تستحقها، ويشير سيف طريف نائب رئيس المجلس المحلي لقضاء هيت إلى أن معظم البيوت والأراضي الواقعة ضمن محيط القلعة تعود ملكيتها لمواطنين، والحكومة تحتاج قرارات مركزية وتخصيصات مالية تمكنها من استملاك هذه الأملاك وتعويض أصحابها، ثم البدء بعملية التأهيل وإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث التاريخي الكبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى