تاريخ ومزارات

“ماعت” دستور العدالة الإلهية وميزان الحق في الحضارة المصرية

 

كتبت شيماء طه

في عمق الحضارة المصرية القديمة، وُلدت فكرة عظيمة سبقت كل القوانين والدساتير، فكرة لم تكتب على ورق، بل نُقشت في الضمير الإنساني والكوني معًا، إنها ماعت، إلهة الحق والعدل والنظام والتوازن.

فقد كانت أكثر من مجرد رمز ديني، بل هي الأساس الذي قامت عليه الحياة في مصر القديمة، دستور غير مكتوب للعدالة الإلهية التي تنظم الكون وتوجه سلوك البشر والملوك والآلهة.

رمز النظام الكوني والعدالة المطلقة

آمن المصري القديم أن الكون وُجد في حالة من النظام الدقيق، وأن هذا النظام هو ماعت نفسها. فهي التي تضمن طلوع الشمس في وقتها، وجريان النيل في مساره، وتوازن السماء والأرض. وإن اختلت ماعت، عمّت الفوضى وعاد العالم إلى “إيسفت”، أي الفوضى والظلام.
وهكذا لم تكن العدالة عند المصريين قانونًا بشريًا، بل نظامًا إلهيًا كونيًا يحفظ الوجود ويمنح الحياة معناها.

 

تُصوَّر ماعت كامرأة رقيقة الملامح، يعلو رأسها ريشة نعام خفيفة ترمز إلى نقاء الحق وخفة القلب الصادق. كانت ترافق الإله رع في رحلته اليومية عبر السماء، لتُذكِّره بأن الكون لا يقوم إلا بالعدل. كما تظهر في محكمة أوزوريس، حيث يُوزن قلب المتوفى أمام ريشة ماعت، ليتحدد مصيره الأبدي:
إن كان القلب خفيفًا كالريشة، نال صاحبه الخلود، وإن كان مثقلًا بالذنوب، فُني في العدم.
تلك اللحظة كانت تمثل العدالة الإلهية الخالدة التي لا تخطئ ولا تظلم.

 

ولم تكن ماعت عقيدة دينية فقط، بل كانت منهج حكم وسلوك يومي. فالفرعون كان يُلقَّب بـ “محب ماعت”، وكان عليه أن يحكم بالعدل ويحافظ على النظام الإلهي في الأرض كما في السماء.
أما القضاة، فكانوا يُعرفون بـ “كهنة ماعت”، يجلسون في ساحات القضاء حاملين شعارها، ليصدروا أحكامهم باسمها لا باسم السلطة.
حتى في الحياة اليومية، كان المصريون يرددون مبادئها في أعمالهم، في البيع والشراء، في الزراعة، في الأسرة، وفي التعامل مع الجيران. كانت ماعت حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل الحياة.

الوصايا المقدسة

في برديات الموتى، نجد ما يُعرف بـ اعترافات ماعت أو الوصايا الاثنتين والأربعين، وهي قوانين أخلاقية راقية قالها المتوفى أمام محكمة أوزوريس، مثل:

لم أسرق.

لم أكذب.

لم أقتل.

لم ألوث مياه النيل.

لم أعتدِ على أحد.
هذه الوصايا تُعدّ من أقدم النصوص الأخلاقية في التاريخ، وتؤكد أن المصري القديم أدرك مبكرًا أن العدالة ليست قانونًا مكتوبًا، بل ضميرًا حيًّا.

روح مصر الخالدة

فهى ليست مجرد إلهة من الماضي، بل هي روح مصر القديمة التي ما زالت تسكن حاضرها. فهي رمز للتوازن الذي سعى إليه المصري في كل شيء: بين الروح والجسد، بين الإنسان والطبيعة، بين الحاكم والمحكوم.
لقد آمن المصري أن إقامة العدل هي عبادة، وأن قول الحق هو قربى إلى الآلهة، وأن ميزان ماعت لا يُغفل أحدًا.

من قلب المعابد والنقوش، ومن أعماق ضمير المصري القديم، خرجت ماعت لتكون أول دستور للعدالة الإلهية في التاريخ.
كانت وما زالت رمزًا خالدًا للحق والنظام والجمال، ودرسًا للبشرية في أن الحياة بلا عدل لا تُثمر، والكون بلا توازن لا يدوم.
وماعت، بريشتها البيضاء، ستظل تذكّرنا دائمًا أن الحقيقة أخف من الزيف، وأن العدل هو الطريق إلى الخلود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى