أسطورة الطبل الإفريقي “الجنك” ولغة الأرواح التي سبقت البريد
كتبت شيماء طه
في قلب القارة السمراء، قبل أن تعرف القرى الورق والأقلام أو تصلها أخبار المدن بالبريد، كان هناك صوتٌ واحدٌ يربط الناس ببعضهم عبر المسافات الشاسعة: صوت الطبل “الجنك”.
لم يكن مجرد آلة موسيقية، بل لغة حية تنبض بروح إفريقيا، تنقل الأخبار، وتنذر بالخطر، وتُعلن الفرح والحزن.
وكان “الجنك” رمزًا للتواصل، وسفيرًا بين القرى، وصوتًا للقبيلة كلها.
منذ قرون، صنع الإفريقيون الطبل “الجنك” من أخشاب الأشجار المقدسة، وغُطّي بجلد الحيوانات القوية كالظباء أو الفيلة. وكان صُنعه يُعدّ طقسًا مقدسًا لا يقوم به إلا الشيوخ أو الحرفيون الموثوق فيهم. لأن “الجنك” في المعتقد الإفريقي ليس مجرد أداة، بل روحٌ تتكلم بلغة الآلهة، لا يُمس إلا باحترام.
في العصور القديمة، كانت المسافات بين القرى تمتد لأميال وسط الغابات، حيث يصعب وصول الرسل أو انتشار الأخبار بسرعة. لكن مع “الجنك”، كان الصوت ينتقل من قرية إلى أخرى عبر الصدى، فيتردد في الجبال والسهول كأن الأرض نفسها تشارك في نقل الرسائل.
كل قرية كان لديها “طبّال مقدس” يعرف رموز النغمات ودلالاتها، فيرسل مثلاً ثلاث دقات متتابعة لتحذير من خطر، أو دقّتين متقطعتين للإعلان عن اجتماع القبيلة، أو نغمة طويلة حزينة للإشارة إلى وفاة زعيم أو محارب.
ويقول المؤرخون إن دقات “الجنك” كانت تُترجم ككلمات حقيقية بلغة مفهومة داخل كل قبيلة. فلكل صوت معنى، ولكل إيقاع رسالة ، كان الإفريقيون يسمونها “لغة الطبل”، التي لا تُخطئ في إيصال المعنى حتى على بعد عشرات الكيلومترات، وفي بعض المناطق من غرب إفريقيا، مثل نيجيريا وغانا وسيراليون، كانت الطبول تُستخدم أيضًا في إرسال دعوات الزواج أو إعلان الحروب أو الاحتفالات.
أما في الأساطير، فقد قيل إن “الجنك” وُلد من صوت الرعد الأول الذي ضرب الأرض، وأن صانعه الأول كان نصف إنسان ونصف روح من السماء. ولذلك، كانت القبائل تؤمن أن الطبل يحمل بركة الطبيعة ويُعيد التوازن بين البشر والآلهة. وعندما كانت القبائل تحتفل بموسم المطر أو الحصاد، يُدق “الجنك” ليُخبر السماء أن أبناءها سعداء بالعطاء.
وكانت النساء في بعض المناطق يُمنعن من لمس “الجنك” لأنه يُعتبر رمزًا للسلطة والرجولة، بينما في قبائل أخرى كان يُمنح للنساء الشجاعات حق دقه في مناسبات النصر أو الدفاع عن القبيلة، فيتحول صوته إلى نداءٍ للكرامة والحرية.
مع مرور الزمن، بدأ “الجنك” يفقد دوره كوسيلة للتواصل العملي مع ظهور البريد والاتصالات الحديثة، لكنه بقي رمزًا مقدسًا للهوية الإفريقية.
ففي المهرجانات الشعبية حتى اليوم، يُعاد إحياء دقات “الجنك” القديمة في غانا ومالي ونيجيريا، لتذكير الأجيال الجديدة بأن أجدادهم كانت لهم لغتهم الخاصة قبل الورق والكتابة.
ولا تزال بعض القرى الإفريقية تؤمن أن “الجنك” يمكنه طرد الأرواح الشريرة أو استدعاء المطر، فيُستخدم في الطقوس الروحية ويُقدَّم له القربان من العسل أو اللبن. ويُقال إن الطبالين القدامى كانوا يُعلمون أبناءهم سرّ “اللغة الخفية” للطبل، فلا تُكتب أبدًا بل تُحفظ في القلب، لأن الجنك لا يتكلم بالحروف، بل بنبض الأرض.
اليوم، حين نسمع دقاته في الاحتفالات الإفريقية، نشعر كأننا نسمع صوت القارة نفسها وهي تتنفس وتروي حكاياتها القديمة. فـ”الجنك” ليس مجرد أسطورة، بل شاهدٌ على عبقرية الإنسان الإفريقي في تحويل الطبيعة إلى وسيلة تواصل، قبل أن يعرف العالم ما يُسمى بالبريد أو التكنولوجيا.
هكذا يبقى “الجنك” جزءًا من الذاكرة الإنسانية؛ طبلًا لا يسكت، يحمل بين دقاته صدى الأرض وأصوات الأجداد.



