تاريخ ومزارات

بيت العبابدة في وادي الجمال.. متحف يروي حكاية قبيلة عربية صنعت مجدها في صحراء مصر

في قلب الصحراء الشرقية، وبين الجبال الممتدة على سواحل البحر الأحمر، ينهض بيت العبابدة كأيقونة تراثية تروي حكاية قبيلة عربية عريقة سكنت الصحراء منذ قرون، لتصبح جزءا لا يتجزأ من التاريخ المصري، هذا البيت ليس مجرد متحف، بل هو شهادة حية على عمق الترابط بين الإنسان والبيئة في وادي الجمال، ومرآة لتاريخ القبيلة التي امتزجت ملامحها بالرمال والوديان والجبال.

بيت العبابدة في وادي الجمال

تعود جذور القصة إلى تسعينيات القرن الماضي، حين كانت الصحراء الشرقية المصرية تعج بالبعثات الأجنبية المهتمة بالتعدين والتنقيب عن الآثار، وبين تلك البعثات، استقرت بعثات إيطالية وهولندية لسنوات في وادي الجمال، حيث احتكت بقبائل عرب الصحراء، وعلى رأسها قبيلة العبابدة، التي يدرس تاريخها للأطفال في مناهج المدارس المصرية كواحدة من أقدم القبائل العربية في البلاد، ويرجع نسبها إلى الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

من بين العلماء الذين أقاموا وسط القبيلة، برز اسم العالِمة الهولندية فولكا، التي عشقت حياة العبابدة وتراثهم، وجمعت كل ما يخص تاريخهم من أوانٍ وأثاث وأسلحة وملابس ومخطوطات نادرة، حتى تحول شغفها إلى مشروع ثقافي فريد، وبدعم من السفارة الهولندية، حصلت فولكا على منحة لإنشاء متحف يخلد تاريخ القبيلة ويحافظ على إرثها الإنساني، فشيدته بالتعاون مع مهندس إيطالي على الطراز الصحراوي ليحاكي حياة البدو بكل تفاصيلها.

بعدما أنهت فولكا مهمتها وسافرت إلى هولندا، ظل البيت قائماً شاهداً على حبها لقبيلة العبابدة، لكنه تعرض مع مرور الوقت للإهمال وفي عام 2019، نهض أبناء القبيلة مجددًا لإحياء هذا الإرث عبر جمعية “أبو غصون” المحلية، التي أعادت افتتاح “بيت العبابدة” كمركز للتعليم والوعي الثقافي، ودعم السياحة البيئية والثقافية في محمية وادي الجمال الوطنية بمدينة مرسى علم.

جولة داخل متحف بيت العبابدة في وادي الجمال

يمثل المتحف رحلة بصرية ووجدانية في عالم العبابدة، إذ يعرض تفاصيل حياتهم اليومية في الصحراء الشرقية وسلاسل جبال البحر الأحمر، و يعرض المتحف أزياء الرجال التقليدية المعروفة بـ”التكشيطة”، وهي جلباب أبيض قصير دون ياقة، مع سروال وصديري أسود، أما النساء فلهن الثوب العبادي الطويل الذي يشبه الساري الهندي، لكنه قطعة واحدة تميز المرأة العبادية.

وتنقسم جولة المتحف إلى ثلاث مراحل، وتبدأ المرحلة الأولى ضمن برنامج سياحي يشمل زيارة المتحف والمحمية معًا عبر نفق داخلي يربط بينهما، ليتنقل الزائر من أجواء التاريخ إلى سحر الطبيعة حيث الغطس ومشاهدة الشعاب المرجانية، وفي داخل المتحف، يستكشف الزائر غرف الحياة البدوية التي تحكي تفاصيل الزواج والحرب والحرف اليدوية، مرورًا بالأدوات اليومية مثل صندوق العروس والمقاعد الخشبية وأشكال الأسرة القديمة.

أما المرحلة الثانية، فتدور حول المذاق البدوي الأصيل في مطبخ العبابدة، حيث يتم إعداد أطباق تقليدية بطرق الطهي الصحراوية مثل الدفن في الرمال أو الطهي على الحطب، ومن أشهرها المندي والمدفون والخبز المخمر بالرمال.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي لحظات السمر تحت سماء الصحراء الصافية يمكن للزائر الاستمتاع بمشاهدة النجوم في ليالٍ يغيب فيها القمر، أو المشاركة في حلقات الرقص والغناء البدوي التي تعبر عن الفرح والكرم والارتباط بالطبيعة.

إحياء التراث وإنعاش البيئة المحلية

بحسب علي سعيد، ممثل جمعية “أبو غصون”، فإن الهدف من إعادة إحياء بيت العبابدة لا يقتصر على حفظ التاريخ، بل يمتد ليكون بوابة لإحياء الحياة الثقافية والاقتصادية في المنطقة التي تضررت بسبب التغير المناخي، فمع تقلص فرص الرعي وتراجع السياحة، سعى أبناء القبيلة إلى تحويل المتحف إلى نقطة جذب سياحي وثقافي تسهم في تنشيط المجتمع المحلي وخلق فرص عمل جديدة للشباب.

بيت العبابدة.. رمز الصحراء وروح القبيلة

بيت العبابدة ليس مجرد متحف صغير في وادي الجمال، بل هو ذاكرة حية لقوم عاشوا على هذه الأرض منذ مئات السنين، وامتزجت حكاياتهم بالجبال والوديان، من خلال هذا الصرح البسيط والعميق، تبعث القبيلة برسالة قوية مفادها أن الحفاظ على التراث ليس رفاهية، بل هو جزء من هوية الأمة المصرية، فكما صان المصري القديم آثاره على ضفاف النيل، يصون العبابدة اليوم إرثهم في عمق الصحراء، ليبقى حاضرهم امتدادًا لماضيهم المجيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى