تاريخ ومزارات

عين الحلوة.. أكبر مخيم فلسطيني في لبنان بين ذاكرة اللجوء وواقع المعاناة

يعد مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا جنوب لبنان أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في البلاد، ويُوصف بأنه عاصمة الشتات الفلسطيني، يمتد المخيم على مساحة كيلومتر مربع واحد فقط، محاط بسور يبلغ ارتفاعه 9 أمتار تعلوه الأسلاك الشائكة، ويقطنه أكثر من 85 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في ظروف إنسانية صعبة، وسط تدهور الخدمات وضيق المساحات السكنية.

نشأة مخيم عين الحلوة

تأسس مخيم عين الحلوة عام 1948 عقب النكبة الفلسطينية على يد اللجنة الدولية للصليب الأحمر بهدف إيواء اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا قسرا من ديارهم، وسمي المخيم بهذا الاسم نسبة إلى المياه العذبة التي كانت موجودة عند إنشائه، وقد استأجرت وكالة الأونروا الأرض من الدولة اللبنانية لمدة 99 عامًا لتقديم خدمات الإغاثة والتعليم والصحة لسكانه.

جغرافيا المخيم ومعاناة السكان

يقع المخيم جنوب مدينة صيدا ويبعد نحو 67 كيلومترا عن الحدود الفلسطينية المحتلة وعلى مدى أكثر من سبعين عاما، ظل المخيم على مساحته المحدودة رغم النمو السكاني الكبير، مما أدى إلى تلاصق الأبنية وضيق الأزقة التي أصبحت تُعرف باسم زاروب لشخص واحد، أي أن بعضها لا يتسع لمرور شخصين في الوقت نفسه.

بسبب الفقر المدقع وارتفاع تكاليف السكن خارج المخيم، اضطر السكان إلى البناء العمودي بدلاً من الحدائق الصغيرة التي كانت تعرف بـ”الحاكورة”، وذلك لتوسعة منازلهم أو إسكان أبنائهم المتزوجين.

التركيبة السكانية

ينتمي سكان عين الحلوة إلى أكثر من 35 مدينة وقرية فلسطينية، ولا تزال أحياء المخيم تحمل أسماء تلك المدن والبلدات مثل صفورية، حطين، طيطبا، الزّيب، عرب الزبيد وغيرها، في مشهد يعيد تشكيل فلسطين المصغرة داخل لبنان.

ويبلغ عدد سكان المخيم، بحسب اللجان الشعبية الفلسطينية، نحو 85 ألف نسمة، من بينهم أكثر من 57 ألف لاجئ مسجل لدى الأونروا، إضافة إلى نحو 1400 عائلة تُصنف ضمن حالات الفقر المدقع.

عوامل تضخم المخيم

شهد المخيم توسعًا سكانيًا نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية، وتدمير مخيم تل الزعتر عام 1976، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتدمير مخيم النبطية، إضافة إلى حرب المخيمات والنزوح القسري من الجنوب اللبناني، كما أن هناك تجمعات سكنية محيطة بالمخيم غير معترف بها رسميًا من قبل الأونروا.

عين الحلوة بين النضال والانقسام

رغم ما ارتبط به اسم المخيم مؤخرًا من اشتباكات واغتيالات وصراعات داخلية، إلا أن تاريخه كان زاخرًا بالنضال، حيث قدم المئات من الشهداء في سبيل تحرير فلسطين، ولعب دورًا سياسيًا بارزًا في مسيرة القضية الفلسطينية.

غير أن العقدين الأخيرين شهدا نزاعات داخلية دامية بين حركة فتح وعدد من الفصائل الإسلامية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى ونزوح عدد كبير من العائلات خارج المخيم.

شهادات من داخل المخيم

يقول أبو علي دهشة، أحد أقدم سكان عين الحلوة، إن “أبناء المخيم كانوا عائلة واحدة يعيشون في تكافل ومحبة، لكن الصراعات الأخيرة فرقت الناس”، متمنيًا عودة الاستقرار وعودة النازحين إلى بيوتهم، مضيفًا أن “الفلسطينيين لا يريدون العودة إلى المخيم بل إلى فلسطين نفسها”.

أما صلاح عوض، فيتحدث بحنين إلى الماضي قائلا إن “أهلنا عاشوا في خيام بعد النكبة، ثم بنوا منازلهم داخل المخيم بجهدهم وبيع ذهب أمهاتهم وزوجاتهم، فكان المخيم بالنسبة لنا عنوان الصمود والتمسك بحق العودة”.

ويصف الصحفي الفلسطيني عبد الحليم شهابي التغيرات التي طرأت على المخيم قائلاً: “كان المخيم في الماضي رمزًا للتآخي، أما اليوم فالجدران والحواجز تفصل بين الجيران، وتبدلت صباحات القهوة والنقاشات السياسية إلى صمت وخوف، وكأن الأمل بالعودة يتلاشى تدريجيًا”.

عين الحلوة.. عنوان الصمود رغم الألم

يبقى مخيم عين الحلوة شاهدًا على تاريخ اللجوء الفلسطيني في لبنان، ورمزًا لـ الإصرار على البقاء والتمسك بحق العودة رغم ما يعانيه من فقر وصراعات، وبرغم التحديات الأمنية والاجتماعية والإنسانية، يظل المخيم في ذاكرة الفلسطينيين عنوانًا للصمود والهوية والحنين إلى فلسطين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى