بستان المستظل في قباء: قصة وفاء الأنصار وكرم الصحابي كلثوم بن الهدم

يقع بستان المستظل في المدينة المنورة بالقرب من مسجد قباء، ويعود ملكه إلى الصحابي الجليل كلثوم بن الهدم رضي الله عنه، سمي هذا البستان بهذا الاسم لأن فيه قام سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه بخلع ردائه ليظلّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، في واحدة من أروع مشاهد الوفاء والخدمة التي شهدتها السيرة النبوية.
ويمثل بستان المستظل أو ما يعرف بمزرعة بئر عذق، إلى الشرق من مسجد قباء، موقعًا تاريخيًا فريدًا يروي قصة استقبال الأنصار للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عند هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة، كان الأنصار يخرجون في كل يوم مع شروق الشمس انتظارًا لقدوم النبي، فلا يردهم إلا حر الشمس، إلى أن وقع المشهد المشهور حين رأى رجل من اليهود النبي وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه، فنادى بالأنصار: صاحبكم الذي تنتظرونه، فتلقوه بظهر الحرة حتى أنخ إلى عذق.
وفي رواية أخرى، لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند كلثوم بن الهدم مع أبو بكر وعامر بن فهيرة، خاطب كلثوم غلامه قائلاً: “يا نجيح لمولى له”، فرد النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر: “أنجحت يا أبا بكر”، وطلب من كلثوم أن يُطعمهم رطبًا، فأحضروا قنوًا من أم جرذان فيه رطب منصف وزهو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما هذا؟” فأُجيب: “عذق أم جرذان”، فبارك النبي المكان وأثنى على كرم أم جرذان.
الصحابي الجليل كلثوم بن الهدم
الصحابي كلثوم بن الهدم رضي الله عنه ينتمي إلى قبيلة الأوس الأنصارية، وتحديدًا من بني زيد بن مالك أو بني عبيد حسب الروايات، كان من أوائل المسلمين الذين أسلموا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وسكن في منطقة قباء، وقد شهد نزول النبي الكريم عنده عند قدومه مهاجرًا، وكان بيت كلثوم بن الهدم ملاذًا للنبي صلى الله عليه وسلم لمدة تقارب أربعة أيام، استقبل خلالها الزوار ودار الحوارات معهم حول الإسلام.
كما نزل عنده عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو عبيدة بن الجراح، والمقداد بن عمرو، وخباب بن الأرتّ، وسهيل وصفوان ابنا بيضاء، وعياض بن زهير، وعبد الله بن مخرمة، ووهب بن سعد بن أبي سرح، ومعمر بن أبي سرح، وعمرو بن عمرو من بني محارب بن فهر، وعُمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو، وقد شهد هؤلاء الصحابة معارك بدر لاحقًا.
ورغم مرور الزمن، يظل بستان المستظل شاهدًا حيًا على الوفاء والتضحيات النبيلة، وذكرى خالدة لمكانة الصحابة الأجلاء في خدمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما جسدوه من كرم وحرص على سلامته وراحة المسلمين، ليظل البستان رمزًا للتاريخ الإسلامي العريق في قلب المدينة المنورة.



