الرباعة السيناوية.. عادة أصيلة تجسد قيم الشرف والعدالة في قبائل سيناء
أسماء صبحي – تمتلك القبائل السيناوية تراثًا غنيًا من العادات والتقاليد التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ العربي. وتمثل في مجملها نمط حياة يعكس القيم البدوية الأصيلة مثل الكرم، الشجاعة، النخوة، واحترام الكبير. ومن أبرز هذه العادات التي ما تزال قائمة حتى اليوم وتثير إعجاب الباحثين وعلماء الأنثروبولوجيا عادة الرباعة السيناوية. وهي منظومة قضائية بدوية تستخدم لفضّ النزاعات والخلافات القبلية بعيدًا عن المحاكم الرسمية وتعتمد على مبدأ العرف والعقل الجماعي.
ما هي الرباعة السيناوية؟
الرباعة هي نظام تقليدي لحل النزاعات يمارس في بيئة القبائل البدوية بسيناء. ويتكون من لجنة تضم أربعة أشخاص يطلق عليهم اسم “الرباعية” يتم اختيارهم من وجهاء القبائل أو ذوي المكانة الاجتماعية والخبرة في الأعراف والعادات القبلية. وتكلف هذه اللجنة بدراسة القضية المعروضة أمامها سواء كانت خلافات على أرض أو قضايا قتل أو حتى قضايا شرف. ثم تصدر حكمًا ملزمًا للطرفين يعرف باسم “القصاص العرفي”.
عادةً ما تكون الرباعة متخصصة في القضايا المعقدة أو الحساسة التي لا يمكن حلها بسهولة بين أطراف النزاع. أو تلك التي قد تؤدي إلى فتنة قبلية إذا لم تعالج بالحكمة والروية. كما تعتبر الرباعة شكلًا من أشكال التحكيم العرفي الذي يحترمه الجميع في المجتمع البدوي. ولا يجوز مخالفته وتعد أحكامه بمثابة التزام اجتماعي وديني في آن واحد.
مكونات جلسة الرباعة السيناوية
عند نشوب نزاع ما يتقدم أحد الأطراف بطلب “الفزعة” إلى شيخ قبيلته أو أحد وجهائها. والذي بدوره يتولى تشكيل لجنة الرباعية بعد التنسيق مع القبيلة الأخرى. وتقد الجلسة غالبًا في مكان محايد يعرف بـ”البيت الجامع” أو “الديوان”. بحضور عدد من وجهاء الطرفين وأفراد من القبائل المحايدة.
وخلال الجلسة، يستمع أعضاء الرباعية إلى روايات الطرفين والشهود. ثم يتداولون فيما بينهم وفقًا لأحكام “السالف” أي السوابق القضائية القبلية ويعتمدون على قاعدة “العقل والوجه” أي التفكير المنطقي والإنصاف. وبعد التشاور يصدر الحكم ويعلن في حضور الجميع وتفرض الغرامات أو الديات أو حتى الصلح الرمزي.
الأساس الأخلاقي والديني للرباعة
تقوم الرباعة على مبدأ “الإصلاح خير” المستوحى من القرآن الكريم وتراعي العدل والرحمة معًا. ويشجع شيوخ القبائل الأطراف على الصلح وغالبًا ما يُعرض على الطرف المعتدي أن يقدم “العطوة”. وهي شكل من أشكال الاعتذار والتهدئة قد تكون مالية أو معنوية تسبق إصدار الحكم النهائي.
ويشير الباحث الدكتور عطية موسى حسن، أستاذ الدراسات الاجتماعية بجامعة العريش، إلى أن الرباعة السيناوية تمثل مزيجًا فريدًا من العدالة العرفية المستمدة من الدين الإسلامي والموروث العربي. وتعد من العوامل التي تحمي بنية المجتمع البدوي وتحفظ كيانه من التفكك.
أمثلة من الواقع السيناوي
من أبرز القضايا التي عالجتها الرباعة في السنوات الأخيرة، النزاعات حول الأراضي الزراعية أو الحدود بين القبائل. والتي قد تؤدي إلى اشتباكات مسلحة في حال غياب التدخل القبلي المنظم. ففي منطقة الشيخ زويد مثلاً ساهمت الرباعية في تسوية نزاع استمر لأشهر بين قبيلتي “الرميلات” و”السواركة” بسبب خلاف على حدود أراضٍ زراعية.
كما لعبت الرباعة دورًا حاسمًا في قضية “القصاص العرفي” في إحدى قضايا القتل العرضي. حيث قامت اللجنة بتحديد الدية بناءً على السوابق وتم تسليم المبلغ للقبيلة المتضررة في مراسم عامة بحضور مئات من شيوخ القبائل وممثلي الدولة. مما ساهم في منع التصعيد وحقن الدماء.



