التحجير القبلي.. حين تحمي الكلمة الأرض في القبائل اليمنية
أسماء صبحي– في القرى الجبلية والسهول الممتدة في اليمن، ما زالت بعض الأعراف القبلية تمارس دورًا محوريًا في تنظيم العلاقة بين الإنسان والأرض بعيدًا عن السجلات الرسمية والخرائط الحكومية. ومن أبرز هذه الأعراف عادة قبلية تعرف باسم “التحجير القبلي” وهي تقليد اجتماعي قديم يستخدم لإثبات أحقية الفرد أو الأسرة أو القبيلة في أرض ما. ومنع التعدي عليها دون الحاجة إلى نزاع مسلح.
ما هو التحجير القبلي؟
التحجير هو إعلان عرفي غير مكتوب يفيد بأن قطعة أرض معينة أصبحت “محجرة” أي محجوزة لشخص أو أسرة أو قبيلة. ويتم ذلك عبر وضع علامات بسيطة لكنها معروفة للجميع، مثل أكوام حجارة، أو أغصان أشجار، أو شواهد ترابية. في إشارة واضحة إلى أن الأرض أصبحت تحت الحماية القبلية وأي اعتداء عليها يُعد خرقًا للأعراف.
جذور تاريخية فرضتها الجغرافيا
نشأت هذه العادة في بيئة تعاني من ندرة الموارد الزراعية، حيث كانت الأرض تمثل مصدر الحياة الوحيد. وفي ظل غياب الدولة المركزية لفترات طويلة، اضطرت القبائل إلى ابتكار نظم ذاتية تنظم الملكية وتمنع الفوضى. وهكذا أصبح التحجير بمثابة “وثيقة عرفية” تحظى باعتراف المجتمع القبلي كله.
كيف يتم التحجير؟
لا يتم التحجير بشكل عشوائي، بل غالبًا بحضور شهود من كبار السن أو مشايخ القبيلة. وفي بعض المناطق، يشترط إعلان نية الاستصلاح أو الزراعة حتى لا يُطستخدم التحجير وسيلة لاحتكار الأراضي دون استغلالها. وبعد ذلك، تحترم العلامات الموضوعة، ويمنع أي شخص من البناء أو الزراعة في الأرض المحجّرة دون إذن.
البعد الاجتماعي للعرف
لا يقتصر التحجير على كونه إجراءً لحماية الأرض، بل يعكس منظومة أخلاقية قائمة على احترام الحقوق ومنع الصدام. فالقبيلة ترى أن التعدي على أرض محجرة ليس مجرد مخالفة بل إهانة جماعية قد تؤدي إلى نزاع واسع. لذلك، يفضل الجميع اللجوء إلى الوساطة القبلية قبل التفكير في أي خطوة تصعيدية.
التحجير وتسوية النزاعات
في حال نشأ خلاف حول أحقية التحجير، لا يحسم بالقوة، بل يعرض على مجلس قبلي يضم مشايخ ووجهاء. ويستمع المجلس إلى الشهود والتاريخ الشفهي للأرض ثم يصدر حكمًا يعد ملزمًا اجتماعيًا حتى في غياب أي سند قانوني رسمي.
ويقول الدكتور عبدالله الهمداني، الباحث في التاريخ الاجتماعي اليمني، إن التحجير القبلي يمثل شكلًا بدائيًا لكنه فعال من نظم حماية الملكية. وقوته لا تأتي من القانون المكتوب، بل من الإجماع الاجتماعي، وهو ما جعله يصمد لقرون حتى في ظل تغيّر الأنظمة السياسية.
هل ما زالت العادة قائمة اليوم؟
رغم التوسع العمراني ومحاولات تنظيم الملكيات عبر الدولة لا يزال التحجير معمولًا به في مناطق ريفية كثيرة، خاصة في المحافظات الجبلية. وفي بعض الحالات، تعتمد المحاكم نفسها على شهادات عرفية مرتبطة بالتحجير عند البت في النزاعات العقارية.
يمثل التحجير القبلي حالة توازن دقيقة بين العرف والقانون. فبينما تسعى الدولة إلى توحيد إجراءات الملكية، يتمسك كثير من السكان بالأعراف التي أثبتت فاعليتها في حفظ السلم الاجتماعي ومنع الصدامات المسلحة.



