حوارات و تقارير

الطائفة الدرزية في مهب التحولات.. من نشأة الغموض إلى معركة الوجود في السويداء

أسماء صبحي – تعود أصول الطائفة الدرزية إلى بدايات القرن الحادي عشر الميلادي في ظل الخلافة الفاطمية الشيعية. حيث ظهرت كحركة دينية إسماعيلية إصلاحية ذات طابع فلسفي وروحاني. وكان الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله هو الداعم السياسي الأول لهذا المذهب. بينما يعد حمزة بن علي بن أحمد المؤسس العقائدي الأساسي، بمساعدة شخصيات أخرى مثل محمد بن إسماعيل الدرزي – الذي ارتبط اسمه بالطائفة.

تبنت العقيدة الدرزية مبدأ التوحيد المطلق وأنكرت الطقوس الدينية الشكلية. كما دمجت أفكارًا من الفلسفة اليونانية والباطنية وعقائد من الزرادشتية والمسيحية، إضافة إلى تأويلات خاصة للنصوص القرآنية. الطائفة مغلقة ولا تقبل اعتناق أفراد جدد وتقسم إلى “العقال” و”الجهال”. حيث لا يسمح للعوام بالاطلاع على أسرار العقيدة.

الكتمان والانغلاق

يمثل الكتمان أحد أركان العقيدة الدرزية، إذ يمنع نشر تفاصيل المعتقدات خارج الدائرة الدينية. وهو ما ساهم في غموضها وبعدها عن التصنيفات الدينية التقليدية. ولا يمارس الدروز شعائر مثل الحج والصوم العلني، ويعتمدون على تفسير باطني للدين.

هذا الانغلاق العقائدي جعلهم عرضة للاتهامات والاضطهاد على مر القرون ما دفعهم إلى العيش في مجتمعات مغلقة متماسكة تحكمها التقاليد الصارمة والعلاقات الاجتماعية القائمة على الثقة والانتماء القبلي.

انتقال الطائفة الدرزية إلى سوريا

بدأ استقرار الدروز في سوريا تدريجيًا منذ القرن الحادي عشر. لكن الاستيطان الكبير جرى في القرن السابع عشر بعد خلافات مذهبية وسياسية في جبل لبنان دفعت الكثير منهم إلى الهجرة. واستقر الدروز في جبل العرب (المعروف بجبل الدروز أو جبل الشيخ) جنوب سوريا، وتحديدًا في محافظة السويداء.

شكلت الطبيعة الجغرافية الوعرة لجبل العرب ملاذًا آمنًا للطائفة. ما عزز من استقلاليتهم الذاتية ومكنهم من بناء مجتمع متماسك قائم على الزعامة التقليدية والعادات القبلية وأبرزها عائلة الأطرش.

الطائفة والتوزع الديمغرافي

وفقًا لتقديرات سكانية، يشكل الدروز حوالي 3% من عدد سكان سوريا، أي نحو 700 إلى 800 ألف نسمة. ويتركزون أساسًا في السويداء إلى جانب وجودهم في ضواحي دمشق مثل جرمانا وصحنايا وفي بعض قرى جبل السماق شمال سوريا. إلا أن هذا الوجود في الشمال تقلص بسبب النزاعات الأخيرة.

على الرغم من عددهم المحدود، إلا أن الدروز لعبوا أدوارًا فاعلة في المحطات السياسية والعسكرية في تاريخ سوريا. خاصة في مواجهة الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي.

دورهم في الثورة السورية الكبرى

كان سلطان باشا الأطرش، الزعيم الدرزي الأبرز، قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925. والتي انطلقت من السويداء قبل أن تمتد إلى مناطق متعددة. ورفع شعار “الدين لله والوطن للجميع”، ليؤكد وحدة الأرض السورية وتجاوز الطائفية.

وبعد الاستقلال شارك الدروز في الحياة السياسية والعسكرية. لكنهم تعرضوا لحملات قمع في بعض الفترات أبرزها في خمسينيات القرن الماضي على يد أديب الشيشكلي. الذي اعتبرهم خطرًا داخليًا بسبب نفوذهم في الجيش.

الطائفة الدرزية في عهد نظام الأسد

في ظل حكم حزب البعث وخاصةً مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة تم استيعاب الطائفة ضمن النظام دون أن تتمتع بنفوذ حقيقي في صنع القرار. وحافظت الطائفة على نوع من الحماية الرمزية، لكن علاقاتها بالنظام ظلت قائمة على الحذر والتوازن بين الولاء والانكفاء.

واستمر هذا النمط خلال حكم بشار الأسد، حيث تم تعيين عدد محدود من الشخصيات الدرزية في مواقع رمزية. فيما فضلت الطائفة الدرزية البقاء على الحياد في أغلب المحطات، حتى اندلاع الثورة السورية.

الدروز والحرب السورية منذ 2011

مع انطلاق الانتفاضة السورية عام 2011، التزمت الطائفة الدرزية سياسة الحياد. ورفضت الانخراط المباشر في الصراع سواء إلى جانب النظام أو المعارضة. ورغم ذلك، شارك بعض شبانها في الحراك السلمي أو التحقوا بوحدات دفاع محلية لحماية مناطقهم من الفوضى.

مع تطور الحرب، اضطر الدروز إلى التسلح خصوصًا بعد تعرض مناطقهم لهجمات من قبل تنظيمات متطرفة مثل “داعش” و”النصرة”. حيث ارتكبت مجازر في قرى السويداء عام 2018 راح ضحيتها أكثر من 250 مدنيًا واختطف العشرات.

ومع الانهيار المتزايد في مؤسسات الدولة، بدأت السويداء تشهد تشكيلات محلية مسلحة أبرزها حركة رجال الكرامة ومجلس السويداء العسكري. مطالبة بالحماية الذاتية ورافضة سياسات النظام الأمنية.

ومنذ عام 2020، تنامت دعوات في السويداء لحكم محلي لا مركزي. يعيد للسكان قدرتهم على إدارة شؤونهم بعيدًا عن هيمنة الدولة المركزية في ظل فشل النظام في تأمين الخدمات أو ردع الاعتداءات المتكررة على المحافظة.

تفجر الاشتباكات بين الدروز والبدو

في يوليو 2025، اندلعت اشتباكات عنيفة في محافظة السويداء بين مقاتلين دروز من الفصائل المحلية وعشائر بدوية من شرق المحافظة. على خلفية نزاعات متراكمة حول الأراضي والتسلح والخطف.

أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 300 شخص خلال أيام قليلة ما دفع الحكومة المؤقتة في دمشق إلى إرسال قوات لفض الاشتباك. بينما اتهم الأهالي السلطة بالتواطؤ وتغذية الفتنة لتقويض مطالب السويداء بالحكم المحلي.

تدخل إسرائيلي وتحذيرات إقليمية

وفي سابقة غير معهودة، أعلنت إسرائيل عن تنفيذ ضربات جوية في محيط السويداء تحت ذريعة حماية الطائفة الدرزية. وقد أثار هذا التدخل استياء الحكومة السورية الجديدة وأدى إلى توتر سياسي حاد بين دمشق وتل أبيب.

كما أصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا حثت فيه الأطراف على التهدئة، فيما عرضت تركيا التوسط لحل الأزمة. لكن الأرض لا تزال تشهد تصعيدًا خاصة مع انقسام القيادات الدرزية بين من يدعو للاستقلال التام. وآخرين يدفعون للتفاوض مع الحكومة ضمن مشروع دولة موحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى