حوارات و تقارير

الدبلوماسية الهادئة: كيف تحتفظ سلطنة عمان بمكانتها كوسيط إقليمي؟

أسماء صبحي – تحظى سلطنة عمان بسمعة دولية نادرة في مناخ الخليج. فهي لا تعتمد على الترويج الإعلامي، بل تفضل العمل في الخلفية الدبلوماسية، مقدمًة نموذجًا يُشار إليه عالميًا كـ“الدبلوماسية الهادئة”. واستطاعت هذه الاستراتيجية عبر عقود أن تضمن لعمان موقعًا محوريًا كـوسيط موثوق بين الخصوم. من إيران إلى الولايات المتحدة، وصولًا إلى أطراف النزاع في اليمن والدول الخليجية .

جذور الدبلوماسية العمانية في التاريخ

منذ تولي السلطان قابوس لحكم البلاد عام 1970، رست قواعد الدبلوماسية العمانية على تحيز محسوب لاستقرار البلاد. فقد تلقت عمان دعمًا طويل الأمد من إيران حين ساعدت في قمع تمرد ظفار وغيرها من مناطق التمرد في السبعينيات. ما مهد لاحقًا لعلاقات متوازنة مع طهران رغم الثورة الإسلامية عام 1979.

وعلى الجانب الآخر، تعمقت علاقتها بالغرب والولايات المتحدة. فكانت أول دولة خليجية توقع اتفاقًا يسمح باستخدام مدنها وموانئها عسكريًا (1980). لتتحول إلى منصة استراتيجية لمهام غربية بأبعاده السياسية والعسكرية .

التوازن الفريد

تصف عبارة “التوازن العماني” وصفًا دقيقًا لسياسة التوازن التي تتبعها السلطنة في مواجهة الصراعات الإقليمية. إذ لا تنتمي لأي محور وتتجنب علنًا الانحياز العلني بين القوى الكبرى. بينما ترتبط بعلاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة وتحافظ على استقلالية القرار الدبلوماسي.

تأسست عمان بفلسفة وسطية، مدعومة بهويتها الإبادية المعتدلة. والتي ترفض الانخراط في النزاعات المذهبية بين السنّة والشيعة، ما مكنها من أن تكون لاعبًا يُعتمد عليه في الوساطة الهادئة .

أمثلة بارزة لدور سلطنة عمان الوسيط

كانت عمان محطة أساسية للمحادثات السرية التي تمهد لاتفاقية الطاقة النووية بين إيران والقوى الكبرى (JCPOA) عام 2015. وبدأت المحادثات في 2012 في فنادق مسقط بدعم من العمانيين الذين نقلوا الرسائل بين الأطراف في أجواء تامة من السرية والحياد .

وفي يونيو 2025، استضافت عمان الجلسة السادسة من المحادثات النووية الأميركية – الإيرانية في مسقط. وأبدى الجانب الإيراني تفاؤله بإمكان التوصل إلى حل وسط، فيما شدد الدبلوماسيون على أن مساهمات عمان كانت مفتاحًا لإنعاش الحوار السياسي.

ولم تشارك عمان في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين منذ 2015. بل اختارت أن تكون جسراً دبلوماسياً بينهم وبين حكومة اليمن والقوى الدولية. وقد استضافت مباحثات وقف إطلاق النار وتبادلات أسرى، ومسارات السلام بين الأطراف المختلفة .

كما لعبت دورًا مهمًا في تشجيع الحوار السعودي – الإيراني. بما أفضى إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية والتهدئة المستمرة .

ما الذي يميز الدبلوماسية العمانية؟

تتمسك عمان بعلاقات دبلوماسية قائمة مع الجميع. من أجل تقوية مصداقيتها كوسيط تعتمد عليه أثناء الأزمات .

كما تعتمد سلطنة عمان في عملها على قنوات دبلوماسية خلفية تقوم على رسائل سرية مرفقة بزيارات شخصية قصيرة من دون إعلان أو ضجة إعلامية. وقد سبق هذا النموذج في مفاوضات إيران النووية، التي لم تضح علنًا حتى وقت طويل.

ويعتبر كل من إيران والولايات المتحدة وغيرهما، أن عمان شريك يعتمد عليه. فلا ينقل رسائل من جانب فقط، بل يعبر عنها بطريقة موثوقة ومقبولة لدى خصوم المنازعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى