تاريخ ومزارات

الشيخ عبد المتعال الصعيدي.. مجدد الفكر الأزهري من قلب القليوبية

أسماء صبحي – في زمن كانت الأمة فيه بأمس الحاجة إلى التنوير والاجتهاد. برزت من محافظة القليوبية شخصية علمية نادرة جمعت بين التراث والانفتاح. بين الأزهري التقليدي والمجدد الجريء هو الشيخ عبد المتعال الصعيدي. أحد أبرز علماء الأزهر الشريف خلال القرن العشرين.

لم يكن مجرد فقيه بل كان مفكرًا إصلاحيًا واجه التيارات الجامدة. ودعا إلى الاجتهاد العقلي وتطوير مناهج التعليم الديني، وظل طوال حياته صوتًا شجاعًا للوسطية والاعتدال.

نشأة الشيخ عبد المتعال الصعيدي

ولد الشيخ عبد المتعال في 8 نوفمبر 1894 في قرية شبرا بخوم التابعة لمركز قويسنا. والتي كانت ضمن إقليم القليوبية آنذاك قبل تعديل التقسيم الإداري لاحقًا. نشأ في بيئة ريفية تقليدية حفظ القرآن الكريم في كتاب القرية ثم التحق بالأزهر الشريف. حيث ظهرت مبكرًا علامات النبوغ عليه وتميز في علوم اللغة والفقه وأصول الدين.

وتشير مؤلفات سيرته الذاتية إلى أنه تأثر في بداياته بالشيخ محمد عبده وكان يحفظ مقولاته ويدرس آراءه، حتى أصبح لاحقًا من أبرز المدافعين عن فكرة “الإسلام العقلاني”.

وقال الكتور أحمد رشاد النجار، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة الأزهر، إن الشيخ عبد المتعال الصعيدي كان ظاهرة فريدة. إذ استطاع أن يربط بين أصالة الأزهر ومتطلبات العصر الحديث. وهو من القلائل الذين فهموا جوهر الدعوة الإسلامية على أساس التفكير الحر والاجتهاد الجماعي.

مجدد الخطاب الديني

تميز الصعيدي بمواقفه الفكرية الجريئة، إذ كتب كثيرًا عن ضرورة فتح باب الاجتهاد. وانتقد بشدة جمود بعض العلماء الذين اكتفوا بتكرار آراء القدماء دون فحص أو تدقيق. ومن أبرز كتبه في هذا المجال:

  • حرية الفكر في الإسلام.
  • الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي.
  • نحو تفسير عصري للقرآن.

كان يؤمن بأن الشريعة الإسلامية قادرة على مواكبة العصور المختلفة. شريطة الاجتهاد الصحيح وفهم النص في ضوء مقاصد الشريعة وظروف الواقع. كما كان يرى أن التقنين الفقهي لا يجب أن يُؤخذ حرفيًا من الموروث. بل يجب أن يعاد النظر فيه بما يناسب الزمان والمكان.

دوره في الأزهر

عين الصعيدي مدرسًا في كلية اللغة العربية، وتدرج في المناصب حتى أصبح من أبرز أساتذة الأزهر في النصف الأول من القرن العشرين. وقد حاول مرارًا الدفع باتجاه إصلاح التعليم الأزهري وطالب بإدخال العلوم الحديثة وتحسين مناهج التفكير النقدي.

كما كان من المؤيدين لفكرة الوحدة بين المذاهب الإسلامية وكتب في التقريب بين السنة والشيعة. وهو ما اعتبره بعض المحافظين خروجًا عن المألوف. لكنه دافع عن موقفه بقوة معتبرًا أن الفرقة بين المسلمين أضرت بالأمة.

مواقف الشيخ عبد المتعال الصعيدي

لم يكن الصعيدي بمعزل عن الحياة العامة، بل شارك في النقاشات السياسية والفكرية في الصحف والمجلات. وكتب مقالات جريئة في مجلة “الرسالة” و”الأزهر” و”الهلال”. ودعا إلى فصل الدين عن التوظيف السياسي، تحرير المرأة في ضوء القيم الإسلامية، التصدي للتعصب والتكفير. وتوسيع دائرة الاجتهاد الجماعي في المجامع الفقهية

وقد وجهت إليه انتقادات شديدة، خاصة من بعض رموز التيار السلفي. لكنه واصل دفاعه عن الفكر التقدمي إلى آخر حياته.

وفاته وإرثه العلمي

توفي الشيخ عبد المتعال الصعيدي في 21 مارس 1966، بعد رحلة علمية وفكرية طويلة قاربت نصف قرن. وترك خلفه عشرات المؤلفات لا تزال تدرس في بعض الجامعات. وتستشهد بها في مناقشات تطوير الخطاب الديني إلى اليوم.

وقد وصفه المفكر محمد عمارة بأنه واحد من القلائل الذين سبقوا عصرهم. وكانوا ينادون بإصلاح ديني شامل قبل أن يصبح ذلك مطلبًا عالميًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى