حوارات و تقارير

قرى الجبل الأخضر: كيف تصمد المجتمعات العمانية التقليدية في وجه التغيرات الحديثة؟

أسماء صبحي–  يشكل الجبل الأخضر في سلطنة عمان أحد أبرز المعالم الطبيعية والثقافية في المنطقة. فهو ليس مجرد وجهة سياحية، بل موطن لتقاليد ضاربة في الجذور وقرى جبلية تقف شامخة أمام رياح الحداثة المتسارعة. ورغم ما يشهده العالم من تطور تكنولوجي واقتصادي واجتماعي. تظل هذه المجتمعات متماسكة، تحافظ على هويتها بأساليب ذكية تجمع بين الأصالة والانفتاح المدروس.

موقع الجبل الأخضر 

يقع الجبل الأخضر ضمن سلسلة جبال الحجر في محافظة الداخلية، ويرتفع أكثر من 2000 متر عن سطح البحر..ما يمنحه مناخًا معتدلًا نسبيًا مقارنةً بباقي مناطق عمان. وتنتشر على سفوحه قرى صغيرة مثل سيق والشريجة والعقر والقشع. حيث لا تزال العمارة التقليدية تهيمن على المشهد، من البيوت الطينية الحجرية إلى السواقي التي تنقل المياه من الينابيع الجبلية.

في هذه القرى، يشكل نظام “الفلج” نموذجًا حيًا على عبقرية الإنسان العُماني في استغلال الطبيعة. إذ يستخدم هذا النظام منذ قرون لري مزارع الرمان والخوخ والورد الجبلي. وهذه الأنظمة لا تزال تعمل بكفاءة حتى اليوم، ويشرف عليها كبار السن وأعيان القرى ضمن منظومة اجتماعية تشاركية فريدة.

التقاليد الاجتماعية

ما يميز قرى هذا الجبل هو تمسك سكانها بالعادات والتقاليد المتوارثة. مثل الأعراس الجماعية، وحلقات الذكر، وأسلوب الحياة البسيط القائم على التعاون المجتمعي. ورغم أن الكثير من شباب المنطقة يسافرون إلى المدن للدراسة أو العمل. إلا أنهم يعودون في الإجازات أو عند المناسبات، في صورة تعكس عمق الانتماء للهوية المحلية.

وتشكل المرأة العمانية الجبلية عنصرًا فعالًا في الحفاظ على هذا التماسك. فهي لا تزال تمارس الحرف اليدوية مثل صناعة ماء الورد ونسج الصوف. وتسهم في الزراعة ورعاية النخيل، ما يمنحها مكانة اجتماعية راسخة.

تحديات التغيير والحداثة

رغم هذا الثبات، لا تخلو هذه المجتمعات من تحديات ناتجة عن مظاهر الحداثة. مثل الهجرة إلى المدن الكبرى، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن تراجع الاعتماد على الزراعة التقليدية وانخفاض الإقبال على الحرف اليدوية يشكلان تهديدًا اقتصاديًا للعديد من الأسر الجبلية.

ورغم الجهود الحكومية لتوفير بنية تحتية حديثة من طرق ومدارس وخدمات صحية. فإن القرى تخشى أن تؤدي هذه التحديثات إلى فقدان ملامحها التراثية إذا لم تُدار بعناية.

وتسعى سلطنة عمان، ضمن رؤيتها للتنمية المستدامة، إلى تحقيق توازن بين تطوير هذه المناطق النائية والحفاظ على طابعها الثقافي. وقد أطلقت مشاريع لتنمية السياحة البيئية في الجبل الأخضر. بما يراعي خصوصية المجتمع المحلي، ويمنح أبناءه فرص عمل دون اقتلاعهم من جذورهم.

كما أدرجت بعض المواقع في الجبل ضمن برامج الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي بدعم من اليونسكو. مما يعزز الوعي العالمي بأهمية هذه المجتمعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى