السلطان الذي صنع المجد بيديه: حين حمل بيبرس التراب وسبق الجميع

في عهد السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، لم تكن السلطة وسيلة للتفاخر أو العزلة عن الناس، بل كانت مسؤولية حقيقية ينهض بها بنفسه، ويشارك بها رعيته في أعمالهم وأحمالهم، بيبرس لم يكتف بالجلوس على العرش أو قيادة الجيوش، بل نزل إلى أرض الواقع، حيث اختلط بيديه بالتراب، ووقف إلى جانب البنائين، يهد جدرانا، ويحمل الأدوات، ويشرف على تفاصيل المشروعات كما لو كان واحدا من العمال.
من هو السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري
في سنة 664 للهجرة، وجه بيبرس اهتمامه نحو خليج الإسكندرية، وأمر الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ببدء أعمال الحفر، لكن السلطان لم يكتف بإصدار التعليمات من بعيد، بل أصر على المتابعة بنفسه، رغم معاناته من المرض، حيث سار إلى الإسكندرية بنفسه، وعلى الطريق اشتد عليه المرض، ومع ذلك رفض التراجع، وحين تحسنت حالته قليلا، لم يبق بعيدا، بل انضم إلى العمال، حمل المعاول بيده، وعمل معهم دون توقف، وجوده بين الناس أشعل فيهم الحماسة، فاجتهدوا وتسابقوا، حتى اكتمل العمل وحققوا الإنجاز.
في العام الذي سبقه، خلال شهر شوال من سنة 663 للهجرة، توجه بيبرس إلى بحر أشموم لإصلاحه، لم يكن ذلك قرارا يتخذه من خلف جدران القصر، بل ذهب إلى الموقع بنفسه، وهناك حمل على كتفه قفة مملوءة بالتراب، رأى الأمراء والجنود ما فعله، فانطلقوا خلفه دون تردد، كل واحد منهم يحمل مثل ما حمل، يحفر كما حفر، ويعمل كما عمل، كأنهم في سباق مع الزمن.
خلال ثمانية أيام فقط، انتهت أعمال الإصلاح في بحر أشموم، وكأن الأرض تجاوبت مع سلطانها الذي قدم جهده وعرقه دون حساب، هذا المشهد لم يكن مجرد لحظة عابرة في حياة بيبرس، بل كان نهجا عاش به، وجعل من سلطانه مثالا في القيادة الحقيقية، حيث يُبنى المجد باليد لا بالكلمات، وتُصنع العظمة من التراب لا من العرش فقط.



