ملحمة الإسكندرية التي أحرقت أسطول صقلية وأدهشت أوروبا

في مرحلة حرجة من تاريخ مصر، حين كانت التغييرات تتسارع من كل اتجاه، بسط صلاح الدين الأيوبي سيطرته على البلاد، فأنهى الحكم الفاطمي، وأعاد مصر إلى كنف الدولة العباسية، موحدا البلاد تحت راية نور الدين محمود حاكم دمشق، ورغم هذا التحول الكبير، لم تختف آثار الفاطميين تماما، إذ تآمر أنصارهم مع الصليبيين، وأرسلوا رسائل سرية إلى ملوك الفرنجة في الشام وإلى ملك صقلية، دعوهم فيها إلى غزو مصر لإزاحة صلاح الدين عن المشهد.
تاريخ ملحمة الإسكندرية
ملك صقلية لم يتردد، بل استجاب بسرعة، وجهز أسطولا ضخما يتكون من عشرات السفن، محملا بخمسين ألف جندي وألف وخمسمائة فارس، بقيادة ابن عمه، كما أبحر الأسطول عبر البحر المتوسط، ووصل إلى سواحل الإسكندرية في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة 569 للهجرة، في هجوم مفاجئ أربك سكان المدينة، لكن الإسكندريين لم يستسلموا، بل نهضوا بعزم للدفاع عن مدينتهم، بينما اختبأ الوالي خلف الأسوار، ومنعهم من المواجهة المباشرة في البداية.
تحرك الصقليون ليلا، نصبوا آلات الحصار عند المنارة وعلى الشاطئ، وبدأوا الهجوم بشراسة، لكن أهل الإسكندرية أبدوا مقاومة شرسة، اعتمدوا فيها على شجاعتهم، لا على جيش صلاح الدين الذي كان منشغلا بملاحقة أنصار الفاطميين في الداخل أرسلوا إليه طلبا للدعم، لكنهم لم ينتظروا وصوله، بل واصلوا الدفاع بكل ما يملكون من حماسة.
استمر القتال ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث، فتح الأهالي الأبواب وانطلقوا إلى الخارج يهتفون وينقضون على الفرنجة من كل جهة، كماأحرقوا آلات الحصار، وكسروا أسلحة الغزاة، وصمدوا حتى غروب الشمس، حيث انسحب الصقليون في فوضى، بينما عاد المدافعون إلى أسوارهم مكللين بأول انتصار، رغم التعب والإرهاق.
وصلت أخبار اقتراب جيش صلاح الدين إلى المدينة، فانتعشت الروح في قلوب الناس، وزال عنهم التعب، وتحرك كل واحد كما لو كان صلاح الدين يراقبه من فوق الأسوار، كما وصف ابن الأثير، كما هاجموا معسكرات العدو، واستولوا على مؤنهم ومعداتهم، وزعزعوا معنوياتهم لم يكتف البعض بذلك، بل سبح عدد من الأهالي في البحر، وأحدثوا ثقوبا في سفن الغزاة، فغرق بعضها، وفر من نجا في ارتباك شديد.
مع أول ضوء للفجر في اليوم التالي، حسم أهل الإسكندرية المعركة لصالحهم، وحققوا نصرا ساحقا، كما توقف الغزاة عن القتال، وانتهى التهديد بفضل شجاعة سكان المدينة، هذا النصر لم يكن مجرد صد هجوم، بل شهادة تاريخية على تمسك المصريين بأرضهم، وعلى قوتهم في مواجهة التحديات، كما عززت هذه المعركة العلاقة بين أهل مصر وصلاح الدين، الذي جعل من الإسكندرية ومصر كلها قاعدة لانطلاقه نحو معاركه الكبرى في حطين، والقدس، وسواحل الشام، حيث بقيت صرخات انتصاراته ترددها كتب التاريخ.



