حارة الخرنفش تشعل لهيب القاهرة وتفجر غضبها في وجه نابليون
في قلب القاهرة العتيقة، بين طيات الأزقة التي تتشابك كشبكة دماء تسري في جسد المدينة، وقفت حارة الخرنفش شامخة كقلعة منسية، تحتفظ بين جدرانها الطينية العالية بأسرار لا يعرفها إلا أهلها هناك، قرب الأزهر الشريف وخان الخليلي، امتزج هواء الحارة برائحة التاريخ وروح المقاومة.
قصة حارة الخرنفش
في صباح الإثنين، اليوم الثاني من اندلاع ثورة القاهرة الأولى، سرت بين السكان أنباء مرعبة، حيث زحفت قوات الاحتلال الفرنسي بقيادة نابليون صوب الحارة، عاقدين النية على سحق كل مقاومة شعبية فيها ومع ذلك، لم يخش أحد من أهل الخرنفش هذا التهديد، بل أغلقت النساء أبواب البيوت العتيقة، واعتلى الرجال والشبان الأسطح، وكل منهم يحمل حجرا أو وعاء زيت مغلي، وقلوبا لا تعرف التراجع .
بمجرد أن دخلت أولى وحدات الفرنسيين إلى الزقاق الضيق، تحولت الحارة إلى جحيم مستمر، حيث تساقطت عليهم الحجارة من السماء كأن الأرض لفظتهم، وتحطمت خوذهم، واهتزت صفوفهم فجأة، سال عليهم الزيت المغلي والماء الحار من النوافذ، وارتفعت صرخات الجنود من الألم، وبدت المعركة وكأنها مشهد من مشاهد القيامة.
ومن الأزقة الجانبية، انقض رجال وشباب الحارة كسيل هائج، يحملون في أيديهم سيوفا قديمة وعصيا غليظة، بل حتى نعالا خشبية، فقاتلوا بشراسة لم يعرفها الفرنسيون من قبل، حيث تهاوى الجنود واحدا تلو الآخر، وارتبك صفهم، وتراجعوا يجرون الهزيمة على وجوههم، تاركين خلفهم دروعهم وسلاحهم وشيئا من غرورهم.
لكن نابليون، بعناده المعهود، لم يقبل بالإذلال أمر جنوده بتوجيه مدافع خفيفة نحو الحارة، فقذفت قذائفها على المنازل، فتهدمت جدران، وسقط شهداء من النساء والرجال، وارتفعت أصوات النداء والاستغاثة، حيث اضطر كثيرون إلى الفرار، بينما اجتاحت القوات الفرنسية الحارة من جديد، وأضرمت النيران في الدكاكين، تريد أن تنتقم من أهل المكان الذين كسروا هيبتها .
وفي مشهد يختزل عظمة الحدث، دون المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي وصفا مبهرا لهذه الملحمة، فكتب بأن معركة الخرنفش كانت دليلا ساطعا على شجاعة أبناء العامة، الذين استخدموا حجارة الأرض وزيت المطابخ دفاعا عن تراب الوطن، فأثبتوا للعالم أن الفلاحين يمكنهم أن يتحولوا إلى أسود إذا دُهس شرفهم.



