قطري بن الفجاءة والخوارج.. صراع الدم والنفوذ في مواجهة الحجاج

كان الخوارج أحد أكثر التيارات إثارة للجدل في تاريخ الإسلام المبكر، فقد ارتبط اسمهم بالصراعات الدامية والتفسيرات المتشددة، تعود نشأتهم إلى الفتنة الكبرى، عندما اشتد النزاع بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان على يد الثوار في المدينة المنورة، رفض معاوية مبايعة علي مطالبًا بدم عثمان، فانطلقت المواجهة بين الطرفين في معركة صفين.
قصة قطري بن الفجاءة والخوارج
لجأ جيش معاوية إلى رفع المصاحف على أسنة الرماح مطالبين بالتحكيم خلال القتال، حيث رأى علي في ذلك حيلة سياسية لكن بعض جيشه أصر على قبول التحكيم، بل وهددوه إن رفض، فوجد نفسه مجبرًا على القبول، إلا أن نتائج التحكيم جاءت في غير صالحه، حيث تم خلعه وتثبيت معاوية، وهنا انشق الخوارج عن علي رافضين مبدأ التحكيم ومحاربين له فيما بعد.
قائد الخوارج وبناء دولتهم الأولى
كما برز قطري بن الفجاءة المازني التميمي كأحد أهم زعماء الخوارج، تباينت الروايات حول اسمه فالبعض قال إنه “جعونة” بينما رأى آخرون أن “قطري” هو اسمه الحقيقي، نشأ ضمن تيار نافع بن الأزرق، الذي تأثر بأفكار عبد الله بن سبأ، وبعد هزيمة الخوارج في النهروان تفرقوا واستقر الأزارقة في البحرين.
بعد مقتل علي بن أبي طالب، خمد نشاط الخوارج في عهد معاوية لكنه عاد ليشتعل بعد وفاته، انضم قطري إلى نافع بن الأزرق مؤيدًا عبد الله بن الزبير ضد يزيد بن معاوية، لكنه سرعان ما انفض عنه بعد خلافات عقائدية، وبعد مقتل نافع عام 65 هـ تولى قطري قيادة الأزارقة وأعلن تأسيس أول دولة للخوارج، لقب نفسه بـ”أمير المؤمنين” وفرض على أتباعه ارتداء السواد واتباع نهج متشدد في تكفير خصومه حتى لو كانوا من المسلمين، كما أباح استحلال دماء وأموال من رفض الانضمام إليهم، امتدت دائرة تكفيرهم لتشمل علي بن أبي طالب نفسه ومعاوية وطلحة والزبير وعبد الله بن عباس وعائشة، معتبرين أنهم جميعًا في النار.
صراع قطري مع الأمويين وسقوط دولته
كما تمتع قطري بن الفجاءة بموهبة الخطابة والشعر، مما جعله قائدًا مؤثرًا جذب أتباعًا كثرًا تحت راية “محاربة الظلم”، لكن الدولة الأموية لم تكن لتسمح بوجود قوة تهدد نفوذها، فأرسل عبد الملك بن مروان جيشًا بقيادة خالد بن عبد الله لمواجهة الأزارقة لكنه هُزم، فأسند المهمة إلى المهلب بن أبي صفرة الذي أجبر الخوارج على الفرار إلى طبرستان وكرمان، ثم جاء الدور على الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لم يكن أقل قسوة في محاربة الخوارج.
استمر الصراع بين الحجاج وقطري ثلاث عشرة سنة، كان خلالها الأخير يخوض معارك شرسة ويُسلم عليه بالخلافة، لكن النهاية كانت حتمية، ففي عام 79 هـ هُزم قطري على يد سفيان بن الأبرد الكلبي، لقي مصرعه في ساحة المعركة، وقيل إن فرسه تعثر به فمات، لتُرسل رأسه إلى الحجاج وتنتهي بذلك أول دولة للخوارج في التاريخ الإسلامي.



