تاريخ ومزارات

“سنوي”.. سيدة أسيوط التي هزمت الزمن

أميرة جادو

ليس كل تمثال قطعة حجرية صامتة؛ فبعض الأعمال تحمل همس التاريخ في تفاصيلها، ويأتي تمثال السيدة سنوي واحدًا من تلك الشواهد الفريدة التي لا تكتفي بتجسيد هيئة امرأة من عصر الدولة الوسطى، بل تنسج رواية متكاملة عن النفوذ والجمال، ورحلة طويلة عبر الزمن والمكان، بدأت من قلب مصر وامتدت إلى عمق النوبة، قبل أن تستقر أخيرًا داخل متحف حديث، شاهدة على عبقرية الفن المصري القديم.

في مرحلة كانت فيها مصر تستعيد تماسكها وقوتها بعد اضطرابات العصر الانتقالي الأول، وتحديدًا خلال حكم الملك سنوسرت الأول من الأسرة الثانية عشرة (1971–1926 ق.م)، خرج هذا التمثال إلى الوجود بوصفه أكثر من عمل فني؛ إذ عد مسكنًا أبديًا للروح، وانعكاسًا للهوية، ورسالة موجهة إلى العالم الآخر.

حجر صلب وروح نابضة

نحت تمثال السيدة سنوي من حجر الجرانوديوريت الرمادي الصلد، أحد أكثر الأحجار صعوبة في التشكيل لدى المصريين القدماء.

ورغم قسوته، نجح الفنان المجهول في ترويضه بمهارة استثنائية، صقله بعناية حتى بدا وكأنه ينبض بهدوء وثقة، هذا المستوى الرفيع من الإتقان يشير إلى أن النحات تلقى تدريبه داخل ورشة ملكية، حيث بلغت صناعة التماثيل آنذاك ذروة نضجها الفني.

وقار الجلوس ودلالات الرموز

كما تظهر سنوي جالسة في هيئة رسمية على مقعد كتلي صلب، في وضعية مدروسة تعكس التوازن والسيطرة.

وتستقر يدها اليسرى منبسطة على حجرها في سكون، بينما تمسك بيدها اليمنى زهرة اللوتس، الرمز الأزلي للبعث والتجدد في المعتقد المصري القديم، لا حركة زائدة ولا انفعال مفتعل، بل سكون محسوب يخفي وراءه حضورًا قويًا.

ملامح النخبة والجمال المثالي

وتبدو ملامح الوجه مصقولة بدقة فائقة، تتوجها نظرة ساكنة واثقة، ويحيط بها شعر مستعار طويل كثيف، مرسوم بخطوط دقيقة، وهو من سمات الطبقة الراقية في ذلك العصر.

كما ترتدي سنوي الفستان الغمدي الضيق الذي ينسدل على الجسد ليبرز رشاقته دون مبالغة، في تجسيد واضح لمفهوم الجمال المثالي الذي ساد النصف الأول من الأسرة الثانية عشرة، حين عادت الفنون إلى استلهام بساطة وأناقة الدولة القديمة.

زوجة الحاكم ومكانة السلطة

ولم تكن سنوي امرأة عادية، بل كانت زوجة الحاكم الإقليمي النافذ جِفايحابي، حاكم إقليم أسيوط، وصاحب أكبر مقبرة غير ملكية معروفة من عصر الدولة الوسطى.

وهذا الموقع الاجتماعي الرفيع أتاح لها الوصول إلى أرقى الخامات وأمهر الفنانين، فجاء تمثالها انعكاسًا مباشرًا لمكانتها ودورها داخل مجتمع النخبة المصرية.

نصوص الخلود وشعائر العالم الآخر

كما تحمل جوانب وقاعدة المقعد نقوشًا هيروغليفية تؤكد تبجيل سنوي في حضرة الإله أوزيريس وغيره من آلهة العالم الآخر.

وتكشف هذه النصوص أن التمثال لم ينحت للعرض فحسب، بل ليكون محورًا لشعائر القرابين، وضامنًا لاستمرار وجودها الأبدي في عالمي الأحياء والموتى معًا.

لا تتوقف القصة عند حدود مصر، فبعد ما يقرب من ثلاثة قرون على نحت التمثال، شق طريقًا غامضًا نحو الجنوب، حيث دفن في كرمة بالنوبة داخل التل الجنائزي الملكي K III، إلى جوار آثار ملك نوبي عاش بعد سنوي بأجيال، كيف انتقل التمثال من موضعه الأصلي؟ ولماذا جرى نقله؟ هل كان غنيمة سياسية، أم هدية دبلوماسية، أم رمزًا لقوة وهيبة مصر؟ أسئلة لا تزال مفتوحة حتى اليوم.

من باطن الأرض إلى واجهة العالم

وخلال عام 1913، أعادت بعثة جامعة هارفارد ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن إحياء هذه الحكاية المنسية، بعدما كشفت عن التمثال في القاعة A من التل الجنائزي.

وبعد عام واحد فقط، سجل رسميًا ضمن مقتنيات متحف الفنون الجميلة، ليبدأ فصلًا جديدًا من رحلته، هذه المرة أمام أنظار العالم.

اليوم، يقف تمثال السيدة سنوي شامخًا، يزن أكثر من طن من الحجر، لكنه يحمل خفة زمنٍ لم ينجح في طمس ملامحه، فهو ليس مجرد أثر من الماضي، بل قصة إنسانية مكتملة عن امرأة وفن وسلطة، وعن سفر طويل عبر حضارات تشابكت وتلاقت، لتترك لنا هذا الشاهد الصامت، الناطق بكل ما عجز الزمن عن إخفائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى