الخلقيدونيون: خلافات لاهوتية تقسم المسيحية وتعيد تشكيل العقائد
خلقيدونة، المدينة القديمة الواقعة على البوسفور والتي تُعرف اليوم بكاديكوي، كانت شاهدة على واحدة من أهم الفترات التاريخية في المسيحية، حيث عُقد فيها المجمع المسكوني الرابع في عام 451م. هذا المجمع جاء نتيجة انقسام حاد في الأوساط المسيحية حول طبيعة المسيح، حيث انقسمت الآراء بين أولئك الذين يؤمنون بأنها طبيعة واحدة وبين الذين يؤمنون بوجود طبيعتين.
من هم الخلقيدونيون
انعقد المجمع بأمر من الملك مرقيان وزوجته بلخاريا، بناءً على طلب البابا لاون الروماني، الذي سبق أن تجاهل مجمع إفسس الثاني رسالته بسبب ما رآه البعض من آراء نسطورية. وكان الحدث قد جمع حوالي 500 أسقف داخل كنيسة القديسة أوفيمية في 8 أكتوبر 451م. في افتتاح المجمع، أعلن البابا ديوسقورس تأييده لعبارة “من طبيعتين بعد الاتحاد”، ما يعكس تأكيده على ما سبق أن أشار إليه القديس كيرلس حول وجود طبيعتين في المسيح دون اختلاط.
قرارات المجمع الخلقيدوني كانت حاسمة، حيث ألغت ما صدر عن مجمع أفسس الثاني عام 449م، كما تم عزل البابا ديوسقورس لأسباب قانونية، بينما تم حرمان أوطيخا، رئيس دير أيوب بالقسطنطينية، الذي تبنى فكرة الطبيعة الواحدة للمسيح المتجسدة. ولم يقف المجمع عند هذا الحد، بل أكد في مجمع القسطنطينية الخامس عام 553م موقفه من النسطورية، حيث أضاف تفسيراً نهائياً حول طبيعة المسيح بعبارة “في طبيعتين” وليس “من طبيعتين”، وهو ما رفضه البابا ديوسقورس والكنيسة المصرية، معتبراً ذلك خروجاً عن التعاليم الأصلية.
رغم محاولة المجمع الخلقيدوني الابتعاد عن النسطورية، إلا أن قرارته لم تتضمن تعبيرات رئيسية كانت قد دعا إليها القديس كيرلس مثل “الاتحاد الأقنومي” و”عدم التمييز بين الطبيعتين إلا في الفكر فقط”. كما حرّم المجمع فكرة امتزاج الطبيعتين التي كانت تعتبر خروجاً عن العقيدة المسيحية الأرثوذكسية.
وفي ظل هذا الانقسام الحاد، رفضت الكنيسة المصرية، إلى جانب مجموعات شرقية أخرى، مقررات مجمع خلقيدونية. وبينما ظلت الفجوة بين الفريقين كبيرة، شهدت نهايات القرن العشرين محاولات جادة للتوفيق. فقد عُقدت اجتماعات مهمة بين الجانبين، من أبرزها اجتماع دير الأنبا بيشوي في مصر عام 1989، واجتماع شامبيزي في سويسرا عام 1990. توصل الجانبان إلى تفاهم حول صياغة مشتركة للعقيدة، حيث أقرّا بأن المسيح هو ذاته الذي تجسد وكان إنسانًا كاملاً بلا خطيئة، وأن الاتحاد بين الطبائع في المسيح هو اتحاد طبيعي أقنومي بغير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال.
وإلى جانب هذا التفاهم اللاهوتي، أقر الجانبان بمكانة السيدة العذراء كـ”والدة الإله”، كما حرّما تعاليم نسطور وأوطيخا، ما شكّل خطوة مهمة نحو إنهاء الانقسام التاريخي الذي دام لقرون طويلة.



