تاريخ ومزارات

المحتسب في مصر من سلطة تهابها الأسواق إلى ذكرى في كتب التاريخ

شكلت مهنة المحتسب واحدة من أبرز الوظائف التي عرفها المجتمع الإسلامي عبر قرون طويلة، فقد كان المحتسب شخصا يتطوع بالعمل ابتغاء مرضاة الله، ولا ينتظر أجرا أو مكافأة، إذ قصد بعمله وجه الله وحده، ورأى العلامة عبد الرحمن بن خلدون أن الحسبة فرض على القائم بأمور المسلمين، لذلك اضطلع المحتسب بمهمة تنبيه الأهالي إلى أوقات الصلاة، وتولى مواجهة المفطرين في شهر رمضان بلا عذر، فكان يسأل المفطر عن سبب إفطاره، فإن وجد عذرا شرعيا كمرض أو سفر التمس له العذر حتى لو جهر بإفطاره، أما إذا أفطر بلا سبب أدبه وشهر به، وعرف الناس هذا التشهير باسم التجريس أو التجريصة، إذ يركب المفطر على جمل أو حمار بصورة عكسية، ويطاف به في الأسواق، ويلبس لباسا يلفت الأنظار، تعلق عليه الأجراس وأذناب الثعالب وأحجار الودع والصدف والخرز، وتتبع الموكب أفواج من الصبيان يرددون عبارات قاسية تنال من كرامته، وتناقلت الذاكرة الشعبية عبارات ساخرة كان الأطفال يرددونها في مواكب التجريس، وظل المحتسب حتى إلغاء وظيفته في القرن التاسع عشر الميلادي شخصية مهيبة يحسب لها الناس ألف حساب.

ما هي مهنة المحتسب

اختلف المؤرخون في أصل الحسبة، فبعضهم رأى أن الرسول الكريم كان أول من مارسها حين نهى عن الغش وقال من غشنا فليس منا بعدما مر بالسوق وكشف محاولة أحد الباعة إخفاء طعام أصابه المطر، بينما رأى آخرون أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وضع نظام الحسبة بشكل واضح، إذ كان يطوف الأسواق ومعه درته وهي عصا قصيرة من جلد البقر أو الجمل محشوة بنوى التمر، فإذا رأى غشا عاقب صاحبه مهما علت مكانته، ومع تعقيد الحياة بعد عصر الخلفاء الراشدين احتاجت الدولة إلى موظف مخصص يتولى هذه المهمة، فظهرت وظيفة المحتسب بشكل منظم في بدايات الدولة العباسية بعد اتساع رقعتها وأسواقها، وهدفت إلى مراقبة التجار ومنع الاحتكار وضبط الجودة والأسعار، ثم توسع دوره في أواخر العصر العباسي فامتد إلى الأزقة والحارات والطرق، وصار له أعوان يساعدونه في كشف الغش وإنزال العقوبات، وخصصت له رواتب، واتصل عمله بشؤون البلديات والمرافق، حتى شابهت مهامه في عصرنا الحديث اختصاصات جهات متعددة تتعلق بسير الحياة اليومية.

 

في مصر توقف المؤرخون أمام الدولة الطولونية باعتبارها أول دولة مصرية مستقلة في ظل الإسلام، ومعها تبلورت شخصية مصر الإسلامية وبرز منصب المحتسب بوضوح، ثم تعزز دوره في الدولة الفاطمية التي سعت إلى بسط نفوذها في العالم الإسلامي، فاهتمت بالحسبة لتأكيد صورة العدل، فرتب المحتسب الأسواق واحتك بالتجار ونقل من خلالهم توجهات الدولة، ثم أولى صلاح الدين الأيوبي الحسبة عناية خاصة في إطار اهتمامه بإعادة مصر إلى المذهب السني، واتسعت اختصاصات المحتسب في عصر المماليك، واشترط العلماء فيه صفات محددة ذكرها عبد الرحمن بن نصر الشيرازي في كتابه الرتبة في طلب الحسبة، فأوجب أن يكون عالما بالدين، متسقا بين قوله وفعله، مخلص النية، رفيقا لين القول، طلق الوجه، سهل الأخلاق، حتى يؤدي مهمته في إصلاح المجتمع وتقويم اعوجاجه.

 

مع دخول العصر العثماني تقلصت اختصاصات المحتسب وتركزت في المجال الاقتصادي، فراقب الأوزان والمقاييس والأسعار في الأسواق الكبرى، وأشرف على طوائف الحرف المتصلة بالغذاء، وخرج في مواكب لافتة للنظر يصحبه حاملو الموازين وغيرهم، وفرض عقوبات جسدية على المخالفين، ورغم ذلك ظلت مكانته الإدارية متواضعة ودخله محدودا، وامتد عمله إلى متابعة نظافة الشوارع وتنظيم المرور في الأسواق، ومع بداية حكم محمد علي باشا عام 1805 حاول المحتسب مصطفى كاشف كرد إلزام الأهالي بكنس الأسواق ورشها وإضاءة الفوانيس على أبواب البيوت والدكاكين، فأثارت أوامره معارضة واسعة، فتدخل محمد علي وألزمه بالاقتصار على اختصاصات من سبقوه، ثم ألغى نظام الحسبة عام 1819، وفي عام 1838 حول المحتسب إلى موظف حكومي، فغير بذلك جوهر الفكرة، إذ لم يعد يشترط في القائم بالمهمة الفقه في الدين، ولم تعد الوظيفة حكرا على المسلم، بل تولى المنصب أي مواطن تتوافر فيه الكفاءة، واستعان محمد علي بعدد من الأرمن، فجعل معيار الاختيار المواطنة والأمانة، وهكذا دخلت الحسبة سجل التاريخ وتحولت إلى ذكرى ثقافية في وعي المجتمع.

 

رغم إلغاء المنصب الرسمي ظهرت دعاوى الحسبة في الحياة الفكرية الحديثة، فتعرض رفاعة رافع الطهطاوي للنفي في عهد عباس باشا الأول بعد إعادة طباعة كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ثم واجه جورجي زيدان اعتراضات حين كلفته الجامعة المصرية بتدريس التاريخ الإسلامي عام 1910، فتراجعت الجامعة تحت ضغط المعارضين رغم دفاع الإمام محمد عبده والأديب مصطفى لطفي المنفلوطي عنه، ثم اشتعلت أزمة كتاب في الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين عام 1926 ووصلت إلى المحاكم وانتهت بإعادة صياغة بعض فصوله، كما أثارت رواية أولاد حارتنا للكاتب نجيب محفوظ عام 1959 جدلا واسعا واعترض عليها علماء من بينهم الشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي فلم تطبع في مصر آنذاك، وواجهت أسماء أخرى مثل نوال السعداوي وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد وجمال الغيطاني دعاوى حسبة مختلفة، فبقيت الفكرة حاضرة في ساحات الفكر حتى بعد اختفاء المنصب الرسمي، وتحول المحتسب من رجل يجوب الأسواق بعصاه إلى مفهوم يطل برأسه كلما احتدم الجدل بين حرية الفكر وحدود المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى