تاريخ ومزارات

ماذا كان يباع في سوق الوراقين؟

يعتبر سوق الوراقين واحدًا من أقدم الأسواق التاريخية في الوطن العربي، وكان في ماضيه مركزًا محوريًا للثقافة والمعرفة، إذ خصص لبيع الكتب والوثائق وتداولها ونسخها، وارتبط هذا السوق ارتباطًا وثيقًا بمدينة بغداد العباسية، ولا سيما بالمنطقة التي تعرف اليوم بشارع المتنبي والسراي، حيث مثلت العاصمة آنذاك قلب الثقافة والعلم في العالم الإسلامي.

حراس المعرفة

كان الوراقون يعرفون بـ«حراس المعرفة»، إذ جمعوا بين صناعة الورق، ونسخ الكتب، وتجليدها، وتحولت حوانيتهم إلى ملتقى للأدباء والعلماء.

وقد ذكر الجغرافي والمؤرخ اليعقوبي (ت 284هـ) أنه رأى في جانب واحد من بغداد “أكثر من مئة حانوت للوراقين”.

كما تورد كتب الحوليات أنه في شوال سنة 740هـ اندلع حريق كبير في دمشق أتى على سوق الوراقين هناك، وسبق أن أُشير إلى الجانب الشرقي من قرطبة، حيث وجدت عشرات النساء الوراقات اللواتي يرجح أنهن عملن في حوانيت أعدت خصيصًا لمهنة الوراقة.

نبض فكري متقد

ووفق دراسة بعنوان «دور سوق الوراقين في الحياة العامة في بغداد – الجانب الفكري أنموذجًا»، فقد أسهم السوق في ازدهار الحركة الفكرية والعلمية في الدولة، وبرز هذا التأثير بوضوح خلال العصر العباسي، حين بلغت الدولة أوج تقدمها في ميادين العلم والمعرفة، وانتشرت المكتبات والمدارس في أرجائها.

ولم يكن خافيًا أن البذرة الأولى لهذا الحراك الفكري انطلقت من المسجد، قبل أن تنتقل إلى السوق حيث اتسعت وانتشرت، فقد تخرج من سوق الوراقين عدد من العلماء، كما أصبح ملتقى اجتماعيًا ومنبرًا للتبادل الثقافي، ومدرسة فكرية دفعت بالحركة العلمية العربية الإسلامية إلى الأمام خلال العصور الوسطى وعلى نطاق واسع.

وتؤكد الدراسة ذاتها أن سوق الوراقين في العصر العباسي تجاوز وظيفته الاقتصادية ليغدو بمثابة «أكاديمية مفتوحة»، فلم تكن الحوانيت مجرد أماكن لبيع الورق، بل تحولت إلى صالونات أدبية يجتمع فيها كبار العلماء والأدباء والشعراء، حيث كانت تعقد المناظرات وتلقى القصائد، ليصبح السوق نبضًا فكريًا يغذي المجتمع بكل جديد في ميادين العلم والأدب.

ثورة الورق

كما تشير الدراسة إلى أن إدخال صناعة الورق (الكاغد) في عهد الخليفة هارون الرشيد أحدث تحولًا جذريًا في أساليب التوثيق، فبعد الاعتماد على «الرق» المصنوع من الجلود، وهو مكلف وصعب الاستخدام، فتح الورق آفاقًا واسعة أمام حركة التأليف.

وبأمر من الرشيد، أصبح الورق المادة الرسمية المعتمدة في دواوين الدولة، مما سهل نسخ الكتب وتداولها بين الناس، ولم يعد مقتصرًا على النخبة، وهو ما أسهم في انخفاض أسعار الكتب وانتشار المكتبات العامة والخاصة.

ولم يكن «الوراق» مجرد بائع كتب، بل أدى أدوار الناشر والمصحح والمجلد، وأحيانًا المؤلف.

كما توضح الدراسة أن مهنة الوراقة استقطبت المثقفين، فكثير من الوراقين كانوا علماء في النحو والحديث، ومن أبرز الأمثلة على هذا التداخل بين السوق والعلم الأديب الجاحظ، الذي كان يستأجر حوانيت الوراقين ويمكث فيها ليلًا ليقرأ أكبر قدر ممكن من الكتب التي لم يكن يملك ثمنها.

ومع اتساع بغداد، قام الخليفة أبو جعفر المنصور بنقل الأسواق إلى منطقة «الكرخ»، وهناك شهد سوق الوراقين ازدهارًا غير مسبوق، إذ ضم مئات الحوانيت المتخصصة في نسخ أندر المخطوطات وتوزيعها. وتحول السوق إلى حلقة وصل بين الثقافات، حيث ترجمت فيه علوم اليونان والفرس والهند، لتنقل إلى العربية ومنها إلى العالم بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى