كتابنا

د. محمد السعيد إدريس يكتب:موسكو وواشنطن في الحوار الصيني – الأوروبي

د. محمد السعيد إدريس يكتب:موسكو وواشنطن في الحوار الصيني – الأوروبي

منذ اللحظات الأولى للزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ لفرنسا (السبت – الاثنين) الماضيين، قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يجعل من هذه الزيارة فرصة لوضع أسس لعلاقات استراتيجية أوروبية مميزة مع الصين بما يعنيه ذلك من تخليص هذه العلاقات من أعباء «التبعية الأوروبية» للولايات المتحدة من ناحية ولتأثيرات خصوصية العلاقات الصينية مع روسيا على هذه العلاقات، بما يعني ذلك تحرير العلاقات الأوروبية – الصينية من أعباء والتزامات العلاقات مع كل من واشنطن وموسكو.

فقد بادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإجراء سلسلة من الاتصالات مع عدد من الزعماء الأوروبيين لتنسيق المواقف ولإبراز جبهة موحدة بخصوص الملفات الخلافية بين الاتحاد الأوروبي والصين. وأهم من تواصل معهم كان المستشار الألماني أولاف شولتس الذي كان قد قام بزيارة رسمية إلى الصين في منتصف إبريل/ نيسان الماضي، لكنه اعتذر عن عدم زيارة باريس لارتباطه المسبق بموعد زيارة مقررة له إلى كل من لاتفيا وليتوانيا. لكن حضور رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين» جنباً إلى جنب مع ماكرون جلسات المحادثات مع الرئيس الصيني كان كافياً لتحقيق الغرض الذي أراده ماكرون بجعل هذه الزيارة «ذات غطاء أوروبي» وإبراز «الخصوصية الأوروبية» في العلاقات مع الصين.

رهان الرئيس الفرنسي الرئيسي بهذا الخصوص كان على ملفين؛ أولهما الملف الأوكراني، وثانيهما ملف العلاقات التجارية والاقتصادية الأوروبية مع الصين؛ حيث استهدف ماكرون تحقيق «اختراق له اعتباره» في الملف الأوكراني بالنسبة للصين في اتجاه زحزحة الصين عن موقفها الداعم لروسيا، وإغراء الصين للقيام بضغوط على موسكو لمراجعة التزاماتها العسكرية في أوكرانيا، وإقناعها بالجلوس إلى مائدة مفاوضات لحل الأزمة، من منطلق أن «بكين هي الطرف الوحيد القادر على التأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لحاجة الأخير للصين سياسياً واقتصادياً وتجارياً وعسكرياً. كما استهدف ماكرون تحقيق اختراق أيضاً في ملف القضايا الاقتصادية الخلافية بين الطرفين الصيني والأوروبي في ظل الخلافات حول«السياسة الحمائية التجارية» التي تتبعها الصين، وحول المساعدات الحكومية التي تقدمها الحكومة الصينية لشركاتها، الأمر الذي يؤدي، من وجهة النظر الأوروبية، إلى نسف «المنافسة الشريفة بين الشركات لدى الجانبين»، وهو الملف الذي أعطته رئيسة المفوضية الأوروبية الأولوية القصوى في مداخلاتها في جلسات المباحثات الثلاثية التي جرت يوم الاثنين الماضي مع كل من الرئيسين الصيني والفرنسي الذين تابعوا مخرجات هذه الجلسات، وخاصة مداخلات الرئيس الصيني، وأدركوا أن الرئيس الصيني لم يفوّت فرصة حرص الرئيس الفرنسي على إعطاء هذه الزيارة «طابعاً أوروبياً»، وأن الرئيس الفرنسي يريد أن يدفع باتجاه بلورة «الكتلة الأوروبية المستقلة» في العلاقة مع الصين، وما يعنيه ذلك من توجّه للتحرر الأوروبي من «التبعية الأمريكية». فالصين صاحبة مصلحة استراتيجية أن تفصل بين القوة الأمريكية والقوة الأوروبية وأن تجعل المنازلة أو المنافسة أو الصراع أياً كان نوع العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، منازلة غير مدعومة أوروبياً، وفقاً لنظرية «تفكيك التحالفات» التي تتبعها الصين مع الولايات المتحدة، حيث تجتهد الصين في إحداث اختراقات في علاقاتها مع حلفاء وشركاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم الشركاء الأوروبيون.

لذلك كانت إشادة الرئيس الصيني شي جين بينغ في جلسات المحادثات الثلاثية بينه وبين كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون و«أورسولا دير لاين» رئيسة المفوضية الأوروبية بالعلاقات بين بلاده وأوروبا «التي تنظر إليها الصين نظرة استراتيجية بعيدة المدى، وكوجهة لاستراتيجيتها». وقال «يجب على الصين والاتحاد الأوروبي، وهما قوتان رئيسيتان في العالم التمسك بشراكتهما ومواصلة الحوار والتعاون، وتعميق التواصل الاستراتيجي، وتعزيز الثقة الاستراتيجية المتبادلة، وبناء التقارب الاستراتيجي، وتطوير التنسيق الاستراتيجي، وذلك بهدف تحقيق التنمية المستقرة والصحية للعلاقات الصينية – الأوروبية، وتقديم المزيد من المساهمة في السلام والتنمية بالعالم».

هذا الحرص المتبادل الأوروبي والصيني على تطوير علاقات استراتيجية أوروبية – صينية لها خصوصيتها من ناحية، وأكثر تحرراً من أعباء علاقات أوروبا مع الولايات المتحدة وعلاقات الصين مع روسيا، يعيد طرح السؤال المهم وهو: هل سيكون في مقدور أوروبا، الانعتاق فعلاً من الهيمنة الأمريكية على نحو ما يطمح الرئيس الفرنسي؟ وهل هناك إجماع أوروبي على هذا التوجّه؟ خاصة ألمانيا، ودول شرق أوروبا الأكثر اندفاعاً نحو مزيد من الانخراط مع واشنطن في سياسات الدفاع والأمن ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهل في مقدور الصين ممارسة ضغوط حقيقية على روسيا في الأزمة الأوكرانية حتى لوكان لهذه الضغوط مردودها السلبي على التنسيق الصيني- الروسي الاستراتيجي للتأسيس لنظام عالمي جديد متحرر من النظام الأحادي الأمريكي؟

من الصعب حسم الإجابة على هذا السؤال ب «نعم» أو «لا». ولكن زيارة الرئيس شي جين بينغ، وهي الثالثة له للعاصمة الفرنسية باريس خطوة مهمة إن لم يكن في اتجاه ممارسة الصين ضغوطاً على روسيا فسيكون في اتجاه المزيد من «التحرر الاضطراري» الأوروبي عن واشنطن في وقت تتجه فيه السياسة الأمريكية هي الأخرى نحو «انعزالية اضطرارية» سواء مع احتمال مجيء دونالد ترامب مجدداً للسلطة أو بقاء الرئيس جو بايدن في وقت يؤكد فيه كبار الاستراتيجيين الأمريكيين أن القوة الأمريكية «إلى أفول»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى