المزيدكتابنا

د. صلاح سلام يكتب…

 

           

 «أرض البطولات»

 

إذا كان مولانا جلال الرومي حدد قواعد العشق بأربعين، فقد تاه فيها اليهود أربعين عاما عندما رفضوا الدخول إلى فلسطين برغم أنها أرض القمر، وهي ترجمة لكلمة طور سيناء.. هناك حيث الوادي المقدس طوى وجبل موسى الذي ناجى فيه ربه وتجلى رب العزة فخرّ الجبل دكًا في مكان ليس له على وجه الأرض مثيل، فهو القدسية بعينها فلم يختر رب العزة غيرها ليكلم فيها رسوله موسى.

 

وعلى مقربة منه دير القديسة كاترين الذي يحوي أمهات كتب التاريخ والعهدة العمرية، تلك الوثيقة التي تحفظ حقوق المسيحيين ووقع عليها رهط من الصحابة والخلفاء الراشدين..هناك “مدين” في أقصى الجنوب وهي مدينة زوجة رسول الله موسى بين طابا ودهب.. فيها طريق حورس الحربي من الفرما حتى العريش.. والفرما هي بلد السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل.. على أرضها وضع المسيح قدمه، على أرضها سكب المسيح ألمه، هاربا والسيدة العذراء من بطش الرومان إلى مصر الأمن والأمان.. وعلى بحر العريش كان مغتسل سيدنا أيوب حيث لا يزال يخرج كل صاحب علة في غروب الثلاثاء الذي يسبق شم النسيم ليغطس على شاطئها ليبرأ من سقمه.

 

على أرض معشوقتي مشى صاحب نصف الجمال يوسف عليه السلام، ليصبح على ملك مصر وأمينا على خزائن الأرض.. وفي البقعة المباركة بالوادي المقدس هبط البراق في ليلة الإسراء بسيدنا محمد ليصلي ركعتين.. وشهدت هذه الأرض كل حروب التاريخ التي مرت على مصر سواء قبل الميلاد أو بعده ثم هجوم الهكسوس والحرب الصليبية الأولى وغزو الإسكندر.

 

كما شهدت الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص في ١٠ذو الحجة ١٨هجرية وانتصار صلاح الدين.. إلى حرب فلسطين و١٩٥٦ ونكسة ١٩٦٧ وصولا إلى حرب رمضان المجيدة والتي طهرتها من دنس الاحتلال الإسرائيلي، إلى الحرب على جماعات الخوارج التكفيرية والتي تكتب الآن قواتنا المسلحة السطور الأخيرة من صفحاتها.

 

على أرض الفيروز الجبلية الصحراوية الصخرية، حيث ينعكس ضوء القمر ليلا، فترى الأيائل تتراقص وتنساب نسمات الصيف تترى، تنعش وجنات القلوب وتقدح زناد قريحة الشعر فيكتب كل ذي قلم ما شاء هذا شعرا وذاك نثرا، ونظم القوافي يطيب كلما امتد الليل وأرخى سدوله ليطلق لكل ذي خيال عنان فكره فتجود قريحته بما تيسر.. هذا محب وذاك عاشق وهذا يستدعي تراث الأجداد وهذا بطل يستدعي الذكريات وأم ثكلى تدعو لولدها الشهيد وأرمل تصيح في البراري لترى صورة الحبيب ارتسمت على وجه القمر .

 

آااه كم احتضنتِ يا معشوقتي في أرضك من شهداء وكم ارتويتِ بدماء الأعزاء ولمَ لا وأنتِ البوابة والسياج وأنت الدرع دائما في وجه الأعداء..على بحر العريش وعلى بعد أمتار ترى النخل باسقات تحمل رطبا جنيا يذوب حلاوة رغم ملوحة البحر.. وإذا اشتد بك العطش عليك أن تحفر تحتها لتشرب ماءً عذبا وعلى عمق لا يكاد يصل لمترين على الأكثر.. وفي صحرائها شجرة تنبت بالدهن وهي شجرة الزيتون المقدسة برغم ملوحة الآبار.

 

هذه هي الأرض المباركة “والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين”، وهنا النص صراحة بالقسم الأعظم من رب العزة والذي فسره البعض على أن التين والزيتون كناية عن أرض فلسطين وهي أرض الأقصى والبلد الأمين هي مكة المكرمة بلد الحرم، وجاءت طور سنين وسطية بينهما، فلها نفس القداسة وأيضا وسطية جغرافية.

 

في عيد تحرير سيناء لابد من أن نترحم على الشهيد البطل أنور السادات وكل رجال  القوات المسلحة الذين صنعوا نصرا يُدرس في كل المعاهد العسكرية وأطال الله في عمر الأبطال الذين يعيشون بيننا، وكم نحتاج إلى ترجمة قصصهم إلى دراما تعيش عليها الأجيال لتحكي قصص البطولة التي شاهدنا منها فصولا. وإلى أن نلتقي العام القادم على أرض البطولات لنحتفل بالنصر المبين.. سلام إلى حين. (*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) نُشِر المقال في العدد (12) يونيو 2021م، العدد الورقي لـ «مجلة صوت القبائل العربية والعائلات المصرية»، ص10.

مقال الدكتور صلاح سلام – العدد 12

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى