حوارات و تقارير

كيف قهر المصريون الرمال.. ولماذا أنبتت الصحراء مدنًا وناطحات سحاب؟

العاصمة الإدارية.. كان حلمًا فخاطرًا فاحتمـالاً.. ثم أضحى حقيقة لا خيـالاً

نصر الدين عبد المنعم

“كان حلما فخاطرا فاحتمـــــــالا

ثم أضحى حقيقة لا خيــــــالا

عمل من روائع العقل جئنــــــاه بعلم

و لم نجئه ارتجـــــــــالا

إنه السد فارقبوا مولد الســــــد

وباهوا بيومه الأجيــــــــــــالا”..

هكذا شدت أم كلثوم وصدحت في فضاء الإذاعة في الستينيات تبشر بحلم المصريين في بناء السد العالي، لتذكرنا كلماتها بمعجزة بنائية جديدة نفذها المصريون بعرقهم ليحولوا صُفرة الصحراء إلى جنان خضراء ومبان حديثة تناطح السحاب.. إنها العاصمة الإدارية الجديدة التي أوشكت على الدخول في الخدمة خلال أيام قليلة لتصبح أحدث عاصمة سياسية وإدارية في العالم على أرض مصرية.

وتتجه أعين العالم نحو العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، التي تعتبر أعظم إنجاز حضاري للمصريين في العصر الحديث، لما تمثله من نقلة نوعية في تغير ديموغرافية الحياة في مصر، وما سيتبعها من جذب الاستثمارات الضخمة ونقل التكدس السكاني من القاهرة والمناطق المحيطة بها؛ وقبل انتقال الحكومة والمواطنين بأيام قليلة.

معجزة في الصحراء

العميد خالد الحسيني، المتحدث باسم شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، هو وجه العاصمة المثقف الذي يقابلك بمكتبه بوجه بشوش وتذهلك قدرته الكبيرة على حفظ التفاصيل وكل صغيرة وكبيرة في المشروع العملاق، كشف لـ “صوت القبائل” عن حجم المشروع الضخم، مؤكدا أن المشروع هدفه تفريغ القاهرة من التكدس الناتج عن حركة العاملين بالوزارات والجهات الحكومية، فيما ستتحول العاصمة التراثية والثقافية والتاريخية مقصداً سياحياً.

وتهدف خطة المشروع إلى نقل الوزارات المصرية إلى المدينة الجديدة لتقليل الاحتقان المزمن في القاهرة التي يقطنها 18 مليون نسمة، ما يفتح آفاقا جديدة للتوسعة العمرانية الأفقية ويمهد الطريق نحو فكرة “الخروج من الوادي”.

وأعلنت الحكومة المصرية مشروع “العاصمة الإدارية الجديدة”، إضافة إلى استصلاح 4 ملايين فدان وإنشاء 3200 كيلومتر من الطرق، لكي يتكامل مع التنمية التى ستنتج عن تنمية محور قناة السويس.

واللافت في إعلان المشروع الرغبة الحقيقية التي تمثلت لدى الحكومة المصرية في إنجاز المشروع، بالرغم من تجارب سابقة في عهود مضت باءت بالفشل، وهى فكرة سبق أن طرحها الرئيس الراحل أنور السادات، وأعادها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولكن بحجم أوسع وخطة أكثر تفصيلا وتكاملا.

مدينة السادات

المرة الأولى لطرح فكرة العاصمة الإدارية، تعود إلى عهد السادات الذي تولى الرئاسة بين 1970 و1981، إذ كان يخطط لإنشاء عاصمة إدارية تستوعب الزيادة السكانية لحل مشكلة الازدحام بالعاصمة، وكانت مدينة السادات هي المنطقة التي كان ينوي السادات جعلها عاصمة إدارية جديدة.

وبدأ السادات في نقل الوزارات إلى المدينة الجديدة، بتكلفة بلغت وقتها 25 مليون جنيه، لكن المشروع لم يقيّض له النجاح لاعتبارات عدة أبرزها صعوبة المواصلات بينها وبين المدينة الأم، وهو ما عكس ضعفا في التخطيط للقرار قبل اتخاذه، ولعلاج ذلك تم إلحاق مباني الوزارات المقترحة بجامعة المنوفية، وانتهت الفكرة بالفشل ولم يكن لها أي مردود اقتصادي أو مروري أو أمني.

نقل مربع الوزارات

وفي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وضعت خطة لنقل مربع الوزارات من منطقة وسط القاهرة، التي تضم وزارات مثل التربية والتعليم، والتعليم العالي، والصحة، والإنتاج الحربى، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب وهيئة التخطيط العمراني، إلا أن الخطة لم تنفذ أصلا.

تفاصيل الحلم

وقال الحسيني إنه تم الإعلان عن إنشاء العاصمة في مارس عام 2015 في مؤتمر شرم الشيخ وقتها، لتحقيق رفاهية المواطن وجذب الاستثمار وإنهاء التكدس السكاني في نطاق القاهرة الكبرى، وكان المشروع بمثابة تحدٍ كبير للدولة.

وأضاف المتحدث أنه كان من المخطط أن تكون إحدى الدول العربية هي المستثمر الأكبر في المشروع، لكن الخطة لم تكتمل لعدة أسباب، على رأسها أن العائد لمصر من استثمار هذه الدولة لن يكون بالشكل الذي تريده مصر، لذا باتت الدولة أمام تحدٍ جديد، خاصة مع وجود احتياجات أخرى للإنفاق مثل الصحة والتعليم والزراعة والصناعة، لذا قررت الدولة أن تبنى العاصمة الجديدة بسواعد مصرية، وأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، قرارًا جمهوريًا في عام 2016، بإنشاء شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية في إبريل 2016، برئاسة اللواء أحمد زكي عابدين، بمساهمة مشتركة بين وزارتي الدفاع والإسكان، وطبقًا للقرار الجمهوري باتت الشركة مالكة لأراضي العاصمة الإدارية ولها أحقية التصرف فيها بالاستثمار والبيع وهذا ما بنى السياسة الاقتصادية والاستثمارية للعاصمة، خاصة أن هناك أولويات أخرى غير بناء العاصمة.

ولفت متحدث العاصمة إلى أن مشروع العاصمة الإدارية مساحته 184 ألف فدان تقارب 700 كيلو متر مربع، منها 14 ألف فدان للمساحات الشجرية والجمالية البيئية، وهي مساحة أكبر من بعض الدول الشهيرة عالميا، كما أنها مساحة مكّنت الدولة من التفكير خارج الصندوق في شكل استثماري جديد، ببيع الأراضي للمطورين ومن حصيلة بيع الأراضي بدأ ترفيق الأراضي، وبيعها مرفقة بالبنية التحتية الأحدث عالميًا، وكذلك توفير التكنولوجيا الحديثة في البناء أمام المطورين لإدخال أحدث النظم في البنية الأساسية، واشتراط أن تكون المباني منتهية التشطيب قبل التسليم بالشكل والقوانين التي وضعتها “العاصمة”.

وعن كيفية البدء بتخطيط العاصمة الإدارية لإخراجها بالشكل الحالي قال العميد خالد الحسيني، إنه عند بدء المشروع لجأنا لمكاتب استشارات مصرية عالمية متخصصة في مجال التخطيط، من أجل تخطيط أفضل المناطق ووضع أبرز الخطط الاستثمارية الممكنة على المساحة الهائلة للعاصمة المقدرة بـ170 ألف فدان مخصصة للبناء، وكان أول الآراء التي قيلت لنا في البداية، إنه من المُحال البناء على كامل هذه المساحة نظرًا لصخامتها الواسعة التي يصعب البناء عليها كلها في آن واحد، لذا كان القرار بتقسيم المنطقة لـ3 مراحل من الإنشاءات، تبدأ المرحلة الأولى منها على 40 ألف فدان، ورغم أنها مساحة صغيرة من الحجم المخصص، لكنها أهم المراحل، والـ40 ألف فدان تعادل مساحة القاهرة الجديدة.

ضربة البداية

وكشف الحسيني أن الضربة الأولى بدأت تحديدا منذ 4 سنوات ونصف، و”أول كريك ضرب في الأرض كان في شهر مايو 2016 في نهار شهر رمضان”، وبدأنا وقتها في الحي السكني الثالث في العاصمة الإدارية، وكانت هذه أول خطوة وأول لبنة للمشروعات، ثم بدأنا المشروعات كافة في نفس التوقيت ليسير العمل بالتوازي، وتم توثيق كل لحظات البداية، لتاريخ العاصمة.

“الدولة لم تدفع مليما واحدا” هكذا أكد العميد خالد الحسيني. لافتا إلى أنه حتى الآن تم إتمام نحو 65-70% من مشروعات المرحلة الأولى في العاصمة، ويتم إنشاء البرج الأيقوني الأطول في القارة الإفريقية، وأيضا عدد من المشروعات الصخمة، وكل هذا لم تتحمل فيه الدولة مليمًا واحدًا، لأن مشروع العاصمة هو مشروع استثماري بالدرجة الأولى.

 

 

الحدث المرتقب 

 

تستقبل العاصمة الإدارية الجديدة في مصر شرقي القاهرة، حدثًا مهمًا في يوليو المقبل، هو نقل مقرات الهيئات الحكومية والوزارات وموظفيها، مما يعني إشارة البدء لإعلان “الجمهورية الجديدة” وفق تعبير الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

وبحسب تصريحات اللواء أحمد زكي عابدين رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية الجديدة، فإن خطة الدولة لنقل مقرات الوزارت من القاهرة إلى العاصمة الجديدة جارية على قدم وساق.

 

وأضاف عابدين أن “نقل مقرات تلك الهيئات والوزارات سيتم تدريجيا خلال شهري يونيو ويوليو2021م”.

 

وللوصول إلى هذا التوقيت بأمان، يقول المسؤول إن العمل في العاصمة الإدارية الجديدة لا يتوقف على مدار الـ24 ساعة من أجل إنجاز البنية التحتية، وكافة ما تتطلبه الوزارات والهيئات من خدمات قبل النقل الفعلي.

وأكد أن “ذلك كله سيتم إنجازه على أعلى مستوى، وبتقنيات هندسية وفنية على الطراز العالمي”.

 

بشرى سارة للموظفين

 

ويحمل هذا الموعد لبعض الموظفين المنتقلين إلى العاصمة الإدارية مع هيئاتهم بشرى سارة، وهي أن الحكومة ستيسّر للراغبين منهم الحصول على شقة سكنية بالتقسيط قريبة منها لاختصار وقت وصولهم إلى مقر العمل.

 

وسيحصل الموظف على شقة بمقدم بسيط نحو 112 ألف جنيه فقط (7139 دولارا أمريكيا)، وتدفع الدولة عنه جزءا كبيرا من ثمن الشقة يصل إلى مبلغ 4 آلاف جنيه (255 دولارا) كقسط شهري.

وستكون الشقق متاحة في مدينة بدر، إحدى المدن الجديدة القريبة من العاصمة الإدارية الجديدة، بحسب اللواء عابدين.

 

لكنه لفت إلى أن “الحصول على شقة سكنية بهذا الثمن سيكون متاحا فقط للموظفين والعاملين الذين ينتقلون للعمل بالعاصمة الإدارية الجديدة، أما الذين يبقون للعمل في القاهرة طبقا لقواعد العمل في الهيئات والوزارة، فلن يستطيعوا الحصول على هذا السكن المقرر من الدولة”.

 

الأهداف والأرقام

 

ويتم إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة لعدة أهداف، منها تخفيف الزحام عن القاهرة، وحماية المناطق الأثرية بها من التكدس السكاني، وتسهيل العمل الإداري.

 

ويبلغ عدد سكان المدينة المستهدف خلال المرحلة الأولى نصف مليون نسمة، يصل إلى 6.5 مليون عند اكتمال نموها، بالإضافة إلى ما بين 40 و50 ألف موظف حكومي، مع التخطيط لزيادة الطاقة الاستيعابية إلى 100 ألف موظف بعد الأعوام الثلاثة الأولى، حسبما جاء على موقع هيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الإسكان.

وتبلغ مساحة العاصمة الإدارية 170 ألف فدان، وترمي الحكومة المصرية من ورائها إلى خلق مليوني فرصة عمل، وتشمل إضافة للمقرات الحكومية والمناطق السكنية، مدينة للثقافة والفنون ومراكز دينية إسلامية ومسيحية.

 

وفي مارس الماضي، أعلن الرئيس السيسي أن افتتاح العاصمة الإدارية سيكون بمثابة “إعلان جمهورية ثانية”، وأكد انتقال الحكومة لمقار جديدة هناك.

 

وأضاف السيسي: “كان من المفترض أن نفتتح المدن والعاصمة الإدارية الجديدة، لكن اضطررنا لتأجيل ذلك عاما كاملا بسبب جائحة كورونا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى