حوارات و تقارير

حقائق ونوادر عن الملحمة التاريخية “حرب أكتوبر 73”

أسماء صبحي 

يحتفل الشعب المصري في شهر أكتوبر من كل عام بذكرى أغلى وأكبر وأعظم انتصار في تاريخ البشرية المصرية. انتصار السادس من أكتوبر. فهو يوم لا ينسى، حقق فيه خير أجناد الأرض الأبطال ما انتظروه على مدار 6 سنوات منذ هزيمة 67. وانتصروا على الجيش الإسرائيلى فتمكنوا من عبور قناة السويس في الجهة الجنوبية وتدمير خط بارليف. وتدمير مواقع الجيش الإسرائيلي، وكسر شوكتهم الذين سقطوا قتلى وأسرى على يد جيش مصر العظيم. لتتهاوى معه أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وليعرف العالم كله حقيقة جيش إسرائيل.

لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية استطاعت فيها مصر أن تحقق انتصاراً عسكرياً على إسرائيل. بل كانت اختبارًا تاريخياً حاسماً لقدرة الشعب المصري على أن يحول حلم التحرير وإزالة آثار العدوان إلى حقيقة. لقد ظل هذا الحلم يؤرق كل مصري من العسكريين والمدنيين الرجال والنساء.

البطل الحقيقي في حرب أكتوبر

تلك الحرب التى تحملت فيها القوات المسلحة المسئولية الأولى وعبء المواجهة الحاسمة. وكانت إنجازاً هائلاً غير مسبوق، إلا أن الشعب المصرى بمختلف طوائفه وفئاته كان البطل الأول للحرب وتحقيق نصر أكتوبر. حتى أن تلك الحرب المجيدة يطلق عليها حرب الشعب المصري كله. حيث لا توجد أسرة مصرية لم تقدم شهيداً أو مصاباً أو مقاتلاً في تلك الحرب.

ويعتبر الشعب المصري البطل الحقيقي في تلك الحرب. لأنه استطاع في زمن قياسى تجاوز محنة النكسة وما حدث في 1967. فرغم الحزن الشديد إلا أنه ما لبث أن ساند النظام وأرجع النكسة إلى ما كان من تآمر القوى الاستعمارية. ومن هنا رفض الشعب تنحي الزعيم جمال عبد الناصر، وأصر على بقائه ليواصل المسيرة وتحقيق النصر.

واتخذت العديد من الإجراءات والقرارات لم تجد معارضة أو تذمرًا منه في ظل الإحساس الشعبي بضرورة ترشيد الاستهلاك. فتحمل الشعب المصري نفقات زيادة الإنفاق العسكرى من 5.5% من الناتج المحلي عام 62 إلى 21.5% عام 1973. وتحمل الشعب أيضًا تمويل احتياجات القوات المسلحة.

أهمية عمليات الاستنزاف

كما يؤكد الخبراء العسكريون، أنه لولا حرب الاستنزاف لاستمر الحال على ما هو عليه. ولكن القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية استطاعت من خلال عمليات الاستنزاف التعرف على كل قدرات وإمكانات العدو في مختلف الأسلحة. سواء الجوية أو البرية أو البحرية والمدرعات والمدفعية. وهو ما مكن القوات المصرية من تطوير أداء ومعدلات السلاح الذى تملكه.

لقد تولد شعور وطني لدى الشعب أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. وبدأ الإعداد لمعركة الكرامة ورد الاعتبار. وتشير وقائع الأحداث إلى أن الفترة التي فصلت بين 5 يونيو 67 ويوم 6 أكتوبر 1973 كانت تنبأ بحدوث العبور العظيم.

بدأ الجيش المصرى بتجميع المعلومات عن طريق الكمائن المصرية شرق قناة السويس. حيث أفادت بأن الجندى الإسرائيلى لا يتمكن من إبداء أية مقاومة تذكر عندما يدهمه هجوم مفاجئ. مما ساعد الدوريات المصرية على تنفيذ مهامها المحددة بالسرعة والدقة المطلوبتين. والدرس الأهم الذي تم استخلاصه هو أن الوسيلة الوحيدة لتحطيم خط بارليف هى الاقتحام المباشر. بواسطة أفراد المشاة بعد توفير وسيلة العبور الآمنة لهم من غرب القناة إلى شرقها.

الهدف من إنشاء خط بارليف

لم يكن إنشاء خط بارليف لاعتبارات دفاعية فقط تبتغيها إسرائيل. وإنما كان الهدف سياسياً في المقام الأول دون النظر لأي اعتبارات عسكرية. فالمهم هو فرض أمر واقع على الأرض وإظهار جدية التمركز بطول خط المياه على حافة قناة السويس مباشرة. ولم يرد فى ذهن إسرائيل أن مصر يمكن أن تمتلك خيارات وبدائل للتعامل مع خط بارليف. الذي كانوا ينظرون إليه في تل أبيب على أنه رمز القوة الإسرائيلية التي لا تقهر.

وكان هناك شبه إجماع بين معظم الخبراء العسكريين فى العالم بأن عملية العبور واقتحام خط بارليف شبه مستحيلة. إلا إذا قامر المصريون بعشرات الألوف من الضحايا. ووسط هذا المناخ وفي ظل حالة اللاسلم واللاحرب بعد توقف حرب الاستنزاف اتخذ الرئيس الراحل أنور السادات قرار الحرب.

التحضير لـ حرب أكتوبر

ومما لا يدع مجالا للشك، فإن فكرة العبور حدثاً تنبهر له العقول، فضلاً عن عبقرية التخطيط. فإن قدرة مصر على خداع الجميع كان أهم عوامل تمكين القوات المصرية من أداء مهامها بامتلاك كامل لزمام الأمور وحرمان إسرائيل من أية ضربة مضادة. والحقيقة أن ملف الخداع يعتبر واحدا من أهم وأخطر ملفات التحضير لحرب أكتوبر. حيث أكدت مصر من خلال هذا الملف أنها استوعبت كل دروس المواجهات السابقة مع إسرائيل. ولعل ذلك هو سر نجاح مخطط الخداع فى تحقيق هدف تضليل إسرائيل بعيداً عن النوايا الحقيقية لمصر وأذاقتها من نفس الكأس.

وبدأت نسمات النصر عندما أشارت عقارب الساعة نحو الثانية من بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر. حيث بدأ أكثر من ألفي مدفع ثقيل قصفه لمواقع العدو في نفس اللحظة التي عبرت فيها سماء القناة مائتان وثمان طائرات تشكل القوة الجوية المكلفة بالضربة الجوية الأولى. التي أصابت مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية بالشلل التام. وفي نفس الوقت كان أكثر من ثمانية آلاف مقاتل بدأوا النزول إلى مياه القناة واعتلاء القوارب المطاطية والتحرك تحت لهيب النيران نحو الشاطئ الشرقي للقناة. بعد ذلك بدأت عمليات نصب الكباري بواسطة سلاح المهندسين الذي استشهد فيه اللواء أحمد حمدي في الساعات الأولى للحرب.

لقد كانت سيمفونية رائعة اشترك فيها 100 ألف مقاتل كان لكل واحد منهم دوره. وكانت دليلاً حياً على قدرة الإنجاز للتخطيط الجيد والإعداد الكافي والتجهيز النفسي والمعنوي. واتخاذ القرار الصحيح في الوقت السليم تحت مظلة المفاجأة واستخدام أساليب الخداع التعبوي والتكتيكي والاستراتيجي.

ويرى المراقبون، أن نصر أكتوبر أعاد رسم خريطة القوى في العالم. فلم تكن حرب أكتوبر مجرد حرب للعبور وتحرير الأرض لكنها كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ أمة. لقد علا الصوت العربي وأفاق العالم أجمع على قوة المصريين والعرب. وأحست أوروبا والولايات المتحدة بالقلق من ذلك السلاح الخطير الذي استخدمه العرب ضدهم، وهو سلاح البترول الذي سار متوازيًا مع انتصار أكتوبر. وأدرك الجميع أن العرب حينما يتحدون يستطيعون مواجهة أية قوة ظالمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى