وطنيات

“قصة كفاح” عميد أ.ح إبراهيم محمد عطعوط الذي ظلت الشظايا في ذراعه طوال 33 سنة

حتي لا ينسي التاريخ ذكرى رحيل
عميد ا.ح إبراهيم محمد عطعوط
الذى ظلت الشظايا فى ذراعه طوال 33 سنة منذ أن كان ملازما فى سنة 1973 وحتى وفاته في 19 يونيو 2006

من كتباتة قبل رحيله عن مشاركته في حرب أكتوبر :-
السادس من أكتوبر . مثل هذا اليوم من كل عام تغمرني مشاعر غريبة … هي مزيج غير متجانس من: بهجة النصر … ومشاعر الفخر … وحزن عميق الجذور.

قصة كفاح

بهجة النصر لكوني واحد ممن عاشوا تجربة وملحمة حرب الاستنزاف عقب تخرجي من الكلية الحربية كضابط بسلاح المشاة في بداية عام 1970، وانضمامي إلى الوحدات المقاتلة بالجبهة غرب قناة السويس على خط المواجهة مع العدو الإسرائيلي ثم مشاركتي في العبور العظيم إلى سيناء في ملحمة اقتحام قناة السويس وخط بارليف الحصين في أكتوبر 1973. لقد كانت مهمتي كقائد فصيلة مشاة ميكانيكية (أي مشاة محمول على دبابات مشاة مقاتلة سريعة) هي اقتحام نقطة عيون موسى الحصينة على محور سيناء الجنوبي على مسافة حوالي 26 كيلومتراً من قطاع عبور قواتي، وتدمير الموقع الحصين والاستيلاء على مدافع العدو الشهيرة التي طالما هددت وقصفت مدينة السويس ومعامل تكرير البترول بها. وقدت رجال فصيلتي في معركة شرسة للاستيلاء على الحصن المنيع ومدافعه الستة الشهيرة رغم كثافة القصف الجوي بجميع أنواع الطائرات على قواتنا المتقدمة محاولة من العدو لوقف تقدم قواتنا كي يتمكن من سحب قواته وعتاده من الموقع الحصين قبل وصول قواتنا له. وكانت أرض القتال أشبه ما يكون بأتون مشتعل، وغطت السحب السوداء قرص الشمس. واندفعت قواتي في سباق مع الزمن حتى استحال على أعتى طائرات العدو أن توقف اندفاعها. وعند رفع علم مصر على الحصن المنيع شعرت بأنني قد اجتزت أصعب اختبار، وغمرنا جميعاً الشعور ببهجة النصر. إن الإيمان بالله وبعدالة قضيتنا إلى جانب ما قمنا بتنفيذه مع جنودنا من تدريب عنيف لعدة سنوات وحتى صباح يوم العبور لهما أهم أسباب النصر.

أما مشاعر الفخر فهي لإصابتي صباح التاسع من أكتوبر في منطقة عيون موسى بصاروخ قصفته طائرة “ميراج” إسرائيلية انقضت ضمن عدد آخر من طائرات العدو على موقع فصيلتي. وفقدت الوعي لفترة، والغريب في الأمر أنني عندما أفقت من الصدمة بعد عدة دقائق لم أشعر بأي ألم ولم أعلم بأنني مصاب، وقمت واقفاً أبحث عن إصابات بين جنودي، وقمت بتوجيه رشاشي إلى الطائرات المنقضة على الموقع وأفرغت خزانة الرشاش دفعة واحدة في أقل من الثانية، إلا إنني فقدت السيطرة على الرشاش الذي أحمله بيدي اليسرى وبدأ ذراعي الأيسر في التوقف عن الحركة، وشعرت بهبوط ولكنني اعتقدت أنه من تأثير الصيام، ولم تقو ساقي على حملي فجلست على الرمال. كان صوت الطائرات أشبه بهزيم الرعد، ورائحة البارود تعبئ الموقع وكأنها عبير سيناء الأزلي.

وبعد برهة، اندفع نحوي جندي ما زلت أذكر اسمه … (يدعى علي علي إبراهيم) وبدا على وجهه قلق جم، وحاول مساعدتي على الوقوف والنزول من قمة التل، إلا إنني أمرته بأن يلزم موقعه وأن يساعد سائق دبابتي (عريف/ نصر سيد أحمد) على فرد شبكة التمويه على الدبابة كي لا تراها الطائرات فتصاب بالنيرات. إلا أن نظرة الجندي أفادت بما يبغي قوله، فنظرت إلى ساقي فوجدتهما تدميان بدماء غزيرة، وحذاء المظلات الذي أرتديه وقد تمزق، وبدأت أشعر بسخونة أسفل كتفي الأيسر ولما وضعت يدي تحت إبطي خرجت مبتلة بدماء غزيرة، وفجأة وبعد نحو ربع الساعة تنبهت إلى أنني قد أصبت بعدة شظايا وحروق في الكتف والظهر والساقين، وكسر بالساق ومشط القدم اليسرى. أصبت بنحو 16 شظية من صاروخ الطائرة المنفجر على مسافة أمتار مني. وأفتخر لأنني لا زلت أحمل من كتفي ثلاث شظايا أبين الخروج من كتفي، ورفض الأطباء (حتى أمهر جراحي العظام في الولايات المتحدة الأمريكية) التدخل لإخراج هذه الشظايا لقربها من الحبل العصبي وعظم الساعد، وأقسموا على أنهم لو طلب منهم إدخال مثل هذه القطع المعدنية في نفس المكان في جسد سليم لما استطاعوا ذلك من دون إحداث شلل بالساعد واليد. وبالتالي كان القرار هو الإبقاء عليها في كتفي … حمداً لله … لقد تقلدت نوط أبدي أحمله داخل كتفي، لعله أرفع وسام حصلت عليه، بل أغلى عندي من نوط الواجب العسكري وميدالية جرحى الحرب اللذان منحهما لي الرئيس الراحل أنور السادات عن حسن أداء الواجب في حرب أكتوبر وإصابتي بفعل العدو المباشر. وتم إخلائي ضمن عدد من المصابين إلى الخطوط الخلفية، ثم إلى مستشفى السويس يوم العاشر من أكتوبر 1973.

الغريب في الأمر إنني لم أشعر بأي ألم حينذاك، ولا أشعر حالياً بأي ألم في كتفي إلا عند تعرضي لأشعة الشمس لفترة طويلة. والأمر الأكثر غرابة هو أنني في نفس موعد إصابتي من كل عام أشعر بوخز الشظايا في كتفي.

حزن يغمرني عندما أتذكر أشجع الرجال … ثلاثة من شهداء فصيلتي … عبد المنعم عبد الظاهر، نبيل عباس، محمد محمد سليمان أبو عوض. لا تستطيع الأيام أن تنسيني إياهم. شجاعة فاقت المعهود، إيمان عميق بالشهادة في سبيل الله، أخلاق نبيلة حميدة. إنني سعيد لهم، إلا أن فراق رفاق السلاح لا يعوضه شيء، وتظل ذكراهم العطرة تعيش معنا أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى