علاء عبدالله يكتب: “ادخلوها بسلام” للمفكر العربي علي الشرفاء الحمادي.. حين تتحول القصيدة إلى رسالة للإنسانية
في بعض النصوص الشعرية لا يكون الهدف مجرد بناء أبيات موزونة أو إنتاج صورة أدبية عابرة، بل يتحول الشعر إلى خطاب وجداني يحمل رؤية ورسالة ومعنى يتجاوز حدود اللغة نفسها، وهذا ما يظهر بوضوح في قصيدة “ادخلوها بسلام.. ادخلوها آمنين” للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي التي تأتي أقرب إلى الأنشودة الوطنية ذات البعد الإنساني منها إلى القصيدة التقليدية.
منذ المطلع يختار الشرفاء عبارة ذات حضور روحي وثقافي عميق: “ادخلوها بسلام.. ادخلوها آمنين”، وهي عبارة تستدعي في الوجدان العربي معنى الطمأنينة والاستقرار والأمان، ثم يبني عليها كامل النص باعتبارها اللازمة الشعرية التي يعود إليها في نهاية كل مقطع لتتحول إلى إيقاع ثابت يرسخ الرسالة الأساسية للقصيدة.
اللافت أن النص لا يبدأ من فكرة القوة أو التحدي وإنما يبدأ من السلام، فالدعوة الأولى ليست للهيمنة ولا للصراع وإنما لنشر الحب والسلام “في بلاد العالمين”، وهنا تتضح رؤية الشرفاء التي تجعل من الوطن مساحة انفتاح ورسالة حضارية وليست مجرد حدود جغرافية.
ثم ينتقل النص إلى مساحة الإنجاز والعمل، حين يقول: “قد حفرنا الأرض بحرًا وقناة للسفين”، وهنا تتجسد صورة مصر باعتبارها دولة ترتبط بفكرة البناء والتغيير وصناعة الممرات التي تصل بين الشعوب، فالصورة الشعرية هنا لا تتوقف عند الدلالة المادية بل تحمل معنى أوسع يتصل بقدرة الإنسان على تحويل الطبيعة إلى فرصة والتنمية إلى رسالة.
وفي المقطع التالي يربط الشرفاء بين المجد والحضارة والعلم: “وحضارة فوق أرض سوف تهدي السائرين .. في علوم الأرض أضحت قبلة للباحثين”، ويمثل هذا الجزء انتقالًا مهمًا من الحديث عن الأرض إلى الحديث عن القيمة التي تنتجها الأرض، فالوطن في هذا التصور لا يقاس فقط بما يملكه من تاريخ وإنما بما يقدمه من معرفة وقدرته على أن يصبح نقطة جذب للباحثين والعقول.
وتأخذ القصيدة منحى أكثر وضوحًا في التعبير عن الفخر الوطني عندما يقول: “هذه مصر تحدت أقسمت ألا تلين”، لكن حتى هنا لا يعتمد النص على خطاب الصدام بقدر ما يعتمد على فكرة الصمود والإرادة، فالتحدي ليس غاية في ذاته بل وسيلة للحفاظ على الاستقلال والقدرة على الاستمرار.
ومن أجمل ما في القصيدة أنها لا تكتفي بالاحتفاء بالوطن، لكنها تعود لتؤكد أن تحقيق الإنجاز يحتاج إلى وحدة الصف: “وحدوا الصف جميعًا واسألوا الله المعين”، وهنا يظهر البعد الجماعي للنص إذ لا يقدم الوطن باعتباره مشروع فرد أو فئة، بل باعتباره حالة مشاركة جماعية تقوم على الإرادة والعمل والدعاء.
أما المقطع الأخير فيمنح القصيدة بعدًا روحانيًا واضحًا: “اللهم احفظ بلادي من نفوس الطامعين”، والدعاء هنا لا يأتي بوصفه انسحابًا من الواقع بل باعتباره تعبيرًا عن الارتباط الوجداني بالأرض والخوف عليها والتمسك باستقرارها.
وفي النهاية، يمكن النظر إلى “ادخلوها بسلام.. ادخلوها آمنين” باعتبارها نصًا يقوم على ثلاث ركائز أساسية: السلام باعتباره رسالة، والحضارة باعتبارها إنجازًا، والوطن باعتباره مساحة يجتمع فيها الناس على الأمل والعمل.
إنها قصيدة لا تراهن على التعقيد البلاغي، بل تعتمد لغة مباشرة وإيقاعًا متكررًا يجعلها أقرب إلى النشيد الجماعي الذي يخاطب الوجدان ويحتفي بفكرة الوطن بوصفه بيتًا مفتوحًا للأمان والسلام.


