تاريخ ومزارات

السلطان الذي جاء من الشام ورحل بالسم.. حكاية ططر سلطان الأشهر المعدودة

في بداية القرن الخامس عشر، شهدت القاهرة عاصمة دولة المماليك البرجية فصلاً قصيراً لكنه مثير من فصول التاريخ، بطل هذا الفصل هو السلطان الظاهر سيف الدين ططر، الرجل الذي جلس على عرش مصر لأقل من عام لكنه ترك وراءه سيرة ما زالت تحكى، ولد ططر سنة 1366، وتلقى اسمه بطريقة فريدة اشتهر بها الجراكسة، إذ اعتادوا أن يمنحوا المولود اسم أول من يطرق باب الدار بعد ولادته، وكان الطارق في حالته رجلًا تتريًا، فحمل الاسم التتري ططر.

من هو السلطان الظاهر سيف الدين ططر

تميز ططر عن غيره من سلاطين المماليك، حيث تولى الحكم من الشام لا من مصر، وهي سابقة نادرة في ذلك العصر، تولى الوصاية على العرش بعد وفاة السلطان المؤيد شيخ، الذي ترك خلفه طفلًا رضيعًا هو شهاب الدين أبو السعادات، لكن وصاية ططر لم تستمر على النحو المتوقع، فبعد زواجه من أرملة المؤيد، السيدة سعادات، خلع الطفل من العرش وأعلن نفسه سلطانًا في الثامن من أغسطس سنة 1421.

بعد يومين فقط من تنصيبه، طلق سعادات مخافة من تأثيرها وسطوتها، وهو قرار لم تتجاوزه المرأة، فقد حملت الغيظ في قلبها وتروي الروايات أنها دست له السم في فراشه، ففارق الحياة في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1421، عن عمر بلغ خمسة وخمسين عامًا، كما استمر حكمه أحد عشر شهرًا، قضى منها أربعة وتسعين يومًا فقط كسلطان معلن، ودفن بعدها في قرافة القاهرة، تاركًا لغزًا مفتوحًا حول نهاية مفاجئة لرجل لم يمنحه الزمن فرصة أطول في الحكم.

عرف الناس ططر كسلطان جميل الوجه، طيب النفس، كريم اليد، محب للعلم والأدب، تميز بتدينه الشديد، لكنه كان شديد الانتماء للمذهب الحنفي، وأنفق بسخاء في فترة حكمه القصيرة ما أرهق خزينة الدولة، رغم أن العامة أحبوه لقربه منهم.

أنجب ططر ولدًا هو محمد، جلس على العرش بعد وفاة أبيه وهو في الحادية عشرة من عمره، وحمل لقب الصالح ناصر الدين، كما أن له ابنة تزوجت من الأمير سيف الدين برسباي، الذي اعتلى عرش السلطنة في العام التالي مباشرة، عام 1422.

كما وصفه المؤرخ تقي الدين المقريزي بأنه رجل طيب السريرة، لكنه لم يخف بعض جوانب اللهو في حياته، وأشار إلى أن فترة حكمه لم تكن كافية ليحكم الناس على أفعاله بشكل نهائي، أما المؤرخ البدر العيني، فقد كتب عنه بإسهاب في كتابه المعروف الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، وخلد عبره تفاصيل هذا السلطان الذي مر سريعًا على سدة الحكم.

ومن الموروثات التي بقيت من عهد ططر، درهم نادر سك على وجه واحد فقط، كتبت عليه كنيته الملك الظاهر أبو الفتح، وكأن العملة نفسها تجسد حياة قصيرة لم يمهلها القدر لتطبع على الوجه الآخر، هكذا رحل السلطان الذي جاء من الشام وترك بصمته في القاهرة، بذكريات لم تكتمل، وسيرة لا تزال تروى في كتب التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى