لواء دكتور/ سمير فرج يكتب.. ماهان والسيطرة على العالم
يعتبر البروسي كارل كلاوزفيتز من أعظم المفكرين السياسيين والاستراتيجيين في القرن التاسع عشر، وأعتقد أنه قدّم للمكتبة العسكرية كتابه الشهير “عن فن الحرب”، الذي عرض فيه المستويات المختلفة لصنع القرار العسكري والاستراتيجي. ولقد كان كتاب هذا الرجل له تأثير كبير على سير الأمور في معارك الحروب العالمية.
ثم جاء بعده المفكر السياسي والاستراتيجي الأمريكي ألفريد ماهان، هذا الضابط البحري الذي كان مدير كلية الحرب البحرية العليا الأمريكية، وقدم أيضًا للفكر العسكري كتابه الشهير “تأثير القوة البحرية على التاريخ”، وعرض فيه تحليلًا دقيقًا لأهمية القوة البحرية كعامل في صعود الإمبراطورية البريطانية في القرن الماضي.
هذا الرجل أطلق للعالم نظرية ماهان، بأن القوة البحرية هي أساس قوة الدولة، وأن أي دولة تريد أن تسيطر على العالم يجب أن تكون لها قوة بحرية قوية، ويومها أطلق عبارته الشهيرة: “من يملك البحار يسيطر على العالم”. وما زالت مقولاته يُعمل بها كل من المفكرين الاستراتيجين في العالم حتى الآن.
وخلال دراستي في كلية كامبرلي الملكية في إنجلترا، قمنا بزيارة كلية أركان حرب البحرية البريطانية في جرينتش، ويومها كانت نظريات ماهان هي التي تسيطر على مفاهيم الكلية خاصة من خلال معظم الدراسات والمشروعات التي تدرس في الكلية. وبنظرة لما يحدث هذه الأيام حول العالم، وخاصة في منطقة مضيق هرمز، نجد أن نظريات ماهان أصبحت وكأنها تُطبق أمامنا عمليًا.
فعندما تم إغلاق مضيق هرمز، الذي يسيطر على 20% من الطاقة في العالم، حدثت تلك الهزة الاقتصادية في كل دول العالم، رغم أنه مجرد مضيق واحد فقط. وأصبح الآن فتح المضيق أمام الملاحة العالمية هدفًا رئيسيًا لكل القوى الكبرى، بل وزاد الأمر تعقيدًا مع وجود السفن العالقة داخل المضيق، والتي وصل عددها إلى 1500 سفينة، وعلى متنها حوالي 20 ألف بحار.
وزادت المشكلة مع عدم القدرة السريعة على إزالة الألغام البحرية التي قامت إيران بنشرها حيث تم إغلاق المضيق بسببها، حيث ستحتاج عملية التطهير إلى حوالي 15 كاسحة ألغام، وقد تستغرق العملية نحو 6 أشهر حتى يتم تطهير مياه وممرات المضيق بالكامل. واضطرت الولايات المتحدة إلى طلب الدعم من الأساطيل البحرية التابعة لدول حلف الناتو للمساعدة في تلك المهمة.
لذلك بدأت دول العالم هذه الأيام تفكر في باقي الممرات البحرية الأخرى حول العالم، وكان في مقدمتها مضيق ملقا، الذي يقع في جنوب شرق آسيا بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية، والذي يربط بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ، ويُعد من أهم الممرات البحرية الضيقة في العالم، حيث يعبر منه أكثر من 40% من التجارة العالمية، بما في ذلك 80% من واردات الصين من النفط الخام. ومن هنا تبرز أهمية هذا المضيق حاليًا بشكل كبير.
كذلك هناك نظرة متزايدة إلى قناة بنما وقناة السويس، ورغم أنهما قناتان صناعيتان، أي أن كل قناة من هذه القنوات مملوكة للدولة التي تقع داخل أراضيها، حيث إن قناة السويس مملوكة للدولة المصرية، وقناة بنما مملوكة لدولة بنما، بينما تختلف المضايق البحرية الدولية التي تخضع لقواعد واتفاقيات الملاحة الدولية.
ولكلا القناتين دورًا هائلًا في السيطرة على التجارة العالمية. حيث تُعتبر قناة بنما حجر الزاوية في النقل البحري العالمي، لأنها تصل بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وتُجنب السفن الرحلة الطويلة والخطرة حول رأس هورن في جنوب أمريكا الجنوبية.
كما تبرز أهمية قناة السويس، وهي الممر الصناعي داخل الأراضي المصرية الذي يربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، حيث تُعد أسرع طريق بحري بين أوروبا وآسيا. ولقد تطورت هذه القناة حديثًا بازدواجها، مما وفر نحو 15 يومًا مقارنة بمرور السفن حول رأس الرجاء الصالح، وأصبحت الآن شريانًا حيويًا للتجارة العالمية.
ويأتي بعد ذلك مضيق باب المندب، الذي يُعتبر المدخل الجنوبي لقناة السويس، وكذلك مضيق جبل طارق، المدخل إلى البحر المتوسط، ثم مضيق البوسفور في تركيا. ومنذ أحداث مضيق هرمز بدأ العالم يدرس إمكانية تنظيم السيطرة على هذه المضايق العالمية، التي تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وبالتالي الاقتصاد العالمي كله.
وأعتقد أنه خلال الفترة القادمة سوف يجلس الجميع معًا لدراسة أسلوب إدارة هذه المضايق والممرات المائية، ووضع أنظمة جديدة لضمان استمرار العمل والسيطرة، وحتى أساليب الإنقاذ والتأمين، حتى لا يتأثر الاقتصاد العالمي مرة أخرى بمثل هذه الأزمات.
وبدأت الدراسات من الآن في مراكز ومعاهد الدراسات الاستراتيجية حول هذه الممرات البحرية في العالم، وقد يظن البعض أن عددها محدود، لكن بالنظر نجد أنها عديدة، وأهمها: مضيق ملقة، ومضيق هرمز، ومضيق جبل طارق، ومضيق دوفر، ومضيق الدنمارك، ومضيق البوسفور، وأخيرًا قناة السويس وقناة بنما.
خصوصًا أن التوتر بين بعض الدول التي تتحكم في هذه الممرات البحرية بدأ يدفع بعضها للتفكير في فرض رسوم إضافية على السفن العابرة، وهو الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى زيادة النفقات العالمية، وبالتالي التأثير على الاقتصاد العالمي مرة أخرى.
ومن هنا أعتقد أنه فور انتهاء مشكلة الحرب الأمريكية الإيرانية، سوف يبدأ الجميع في الجلوس معًا لوضع أساليب جديدة لتنظيم وإدارة هذه الممرات، حتى لا تتزايد هذه المشكلات مستقبلًا وتؤثر مرة أخرى على الاقتصاد العالمي وهنا تبرز مقولة ماهان “من يملك البحار يسيطر على العالم”.



