راجح لبوزة.. الرجل الذي أشعل شرارة ثورة 14 أكتوبر من جبال ردفان
في جبال ردفان الشامخة، ولد المناضل راجح بن غالب لبوزة عام 1917، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز رموز الكفاح الوطني في جنوب اليمن، وأول من أطلق شرارة ثورة 14 أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني.
نشأ لبوزة يتيمًا في قرية دبسان بردفان، لكن اليتم لم يكسر إرادته، بل صنع منه شخصية صلبة وقائدًا ثوريًا آمن مبكرًا بأن التحرر لا يأتي إلا بالمقاومة والتضحية.
بدايات نضالية مبكرة ضد الاحتلال البريطاني
لم يكن راجح لبوزة مجرد مقاتل يحمل السلاح، بل كان صاحب رؤية ثورية وتنظيمية سبقت عصره.
ففي عام 1942 قاد أولى الهجمات المسلحة ضد ثكنات جيش شبره التابع للإدارة البريطانية في ردفان، عبر مجموعات مقاومة محلية شكلت النواة الأولى للكفاح المسلح في الجنوب اليمني.
ورغم محدودية الإمكانيات آنذاك، نجحت تلك العمليات في ترسيخ فكرة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني.
مشاركته في ثورة 26 سبتمبر
مع اندلاع ثورة 26 سبتمبر في شمال اليمن عام 1962، سارع لبوزة إلى دعم الثورة الجمهورية، فكوّن مجموعة من نحو 150 مقاتلًا من أبناء ردفان وتوجه بهم إلى جبهات القتال.
تنقلت القوة بين قعطبة وإب والحديدة، قبل أن تستقر في مناطق عبس والمحابشة، حيث خاضت معارك إلى جانب القوات الجمهورية والمصرية ضد الملكيين.
وخلال تلك المرحلة اكتسب لبوزة خبرة عسكرية كبيرة عززت قدراته القيادية والتنظيمية.
العودة إلى ردفان والاستعداد للثورة
بعد سلسلة لقاءات جمعت الرئيس قحطان الشعبي ورفاقه بالرئيس عبدالله السلال، جرى الاتفاق على عودة لبوزة ورفاقه إلى ردفان بأسلحة متنوعة استعدادًا لإطلاق العمل الثوري في الجنوب.
وعندما علمت السلطات البريطانية بعودته، أرسلت إليه تطالب بتسليم نفسه وسلاحه، لكنه رفض بشكل قاطع، مؤمنًا بأن المواجهة أصبحت حتمية.
14 أكتوبر 1963.. الرصاصة التي هزّت الإمبراطورية
في الثالث عشر من أكتوبر 1963 تحركت القوات البريطانية في وادي المصراح، واعتقلت أحد رفاق لبوزة بعد مصادرة سلاحه، لتشتعل بعدها شرارة المواجهة الكبرى.
وفي ليلة تاريخية اجتمع راجح لبوزة مع نحو 70 من الثوار، وقام بتقسيمهم إلى مجموعات قتالية استعدادًا للهجوم.
ومع ساعات الفجر الأولى من يوم ثورة 14 أكتوبر انطلقت أول رصاصة من جبال ردفان، لتبدأ واحدة من أهم ثورات التحرر الوطني في الجزيرة العربية ضد الاحتلال البريطاني.
استشهاد لبوزة وبداية مرحلة التحرير
خلال المواجهات العنيفة قصفت القوات البريطانية مواقع الثوار بالمدفعية الثقيلة، وأصيب لبوزة بشظية اخترقت جسده قرب القلب، ليستشهد ظهر يوم 14 أكتوبر 1963.
لكن استشهاده لم يُنهِ الثورة، بل حوّله إلى رمز خالد للكفاح الوطني، إذ امتدت الانتفاضة إلى مختلف مناطق الجنوب اليمني، واستمرت حتى تحقق الاستقلال عام 1967.
إرث خالد في ذاكرة اليمنيين
تحول راجح لبوزة إلى أيقونة وطنية ورمز للحرية والتضحية، وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية اليمنية باعتباره مفجر شرارة الثورة الجنوبية ضد الاستعمار.
كما أصبحت مقولته الشهيرة:
الثورة لا تحتاج إلى عدد بل إلى إرادة وتصميم
واحدة من أكثر العبارات تداولًا في المناسبات الوطنية اليمنية، لما تحمله من معانٍ تعكس روح النضال والإصرار.
ولا يزال اليمنيون حتى اليوم يستذكرون لبوزة باعتباره الرجل الذي حوّل جبال ردفان إلى بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية في جنوب اليمن.



