السمارة.. مدينة الجهاد والتصوف وبوابة الصحراء المغربية

تعد مدينة السمارة واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في الصحراء المغربية، إذ ارتبط اسمها عبر القرون بالجهاد والعلم والتصوف، وشكلت نقطة عبور استراتيجية بين شمال المغرب وعمقه الصحراوي، كما لعبت دورا محوريا في مقاومة الأطماع الاستعمارية، وتحولت مع مرور الزمن إلى مركز حضاري وديني مهم في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
أصل تسمية السمارة
يرجع اسم السمارة إلى احتمالين تاريخيين؛ أولهما ارتباطه بوجود نبات اسمار المنتشر بقعر واد سلوان، أحد روافد وادي الساقية الحمراء، أما الاحتمال الثاني فيربطه بالصخور السوداء المنتشرة بكثرة في المنطقة، والتي استخدمت قديما في البناء بسبب طبيعتها الصلبة.
السمارة في التاريخ المغربي
اكتسبت السمارة مكانة خاصة في تاريخ المغرب، باعتبارها قاعدة استراتيجية تربط شمال المملكة بجنوبها، وهو ما جعلها تحظى باهتمام سلاطين الدولة العلوية، فقد اتخذها السلطان مولاي الحسن الأول مركزا للجهاد وحماية المناطق الجنوبية من الأطماع الأجنبية، بينما واصل السلطان مولاي عبد العزيز دعمها عبر مساندة الشيخ الشيخ ماء العينين لبناء زاويته الشهيرة بالمدينة.
وقد تم نقل مواد البناء من ميناء الصويرة إلى طرفاية، مع إرسال مهندس مختص للإشراف على المشروع، مما جعل زاوية الشيخ ماء العينين تتحول لاحقا إلى مركز ديني وعلمي وجهادي بارز في الصحراء المغربية.
بناء زاوية الشيخ ماء العينين
في سنة 1888م بدأ الشيخ ماء العينين في شق طريق يربط السمارة بمدينة طرفاية، بهدف نقل المواد الضرورية للبناء، وفي سنة 1895م انطلقت أشغال بناء الزاوية، وأسندت مهمة الإشراف إلى ابنه الشيخ الطالب أخيار.
ووصلت مواد البناء عبر البحر على متن سفينة مخزنية تابعة للبحرية السلطانية، يقودها الربان أحميدة الملقب بالتركي، وكان على متنها عدد من البنائين المهرة القادمين من مدن مغربية كبرى مثل مراكش وفاس وطنجة وتطوان، قبل أن ينضم إليهم عامل خامس من مدينة وجدة.
مقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني
بسبب مكانتها الاستراتيجية والدينية، أصبحت السمارة هدفا للأطماع الفرنسية والإسبانية، غير أن القبائل الصحراوية واجهت تلك التهديدات بمقاومة شرسة، خاصة قبائل الركيبات والعروسيين وآيت أوسى وأتباع الشيخ ماء العينين.
ومن أبرز المعارك التي تكبد فيها الاستعمار خسائر كبيرة:
- معركة السمارة سنة 1957م
- معركة مركالة عام 1957م
- معركة وادي الصفا سنة 1958م
- معركة سيدي أحمد العروسي خلال السنة نفسها
وقد شكلت هذه المعارك صفحات مضيئة في تاريخ المقاومة بالصحراء المغربية.
السمارة.. أرض الأولياء والمتصوفة
عرفت منطقة الساقية الحمراء منذ قرون بأنها فضاء للعلم والتصوف والخلوة، نظرا لتوفر المياه والمراعي حول أودية سلوان والحبشي والساقية الحمراء.
وارتبطت المنطقة بعدد كبير من الأولياء والصلحاء، من أبرزهم:
- سيدي أحمد الرقيبي المدفون بوادي الحبشي
- شهداء أولاد أبي السباع السبعة بمنطقة الطويحل
- سيدي الحاج أحمد اللحية
- بويا علي الدليمي
- الشيخ مربيه ربه بن الشيخ ماء العينين
وقد ساهم هؤلاء في ترسيخ المكانة الروحية للمنطقة قبل ظهور مدينة السمارة الحديثة بقرون طويلة.
الموقع الجغرافي لإقليم السمارة
يقع إقليم السمارة في أقصى الجنوب الشرقي للمغرب، ويحده شرقا وجنوبا موريتانيا، وغربا إقليم العيون، وشمالا إقليما طانطان وآسا الزاك، بينما يحده جنوب غربا إقليم بوجدور.
ويرتبط الإقليم بمحورين طرقيين رئيسيين:
- طريق يربطه بمدينة العيون غربا
- طريق يصل إلى طانطان ثم شمال المملكة عبر كلميم
ويمتد الإقليم على مساحة تقارب 61 ألف كيلومتر مربع، ويضم مدينة السمارة وخمس جماعات قروية هي:
- الجديرية
- تفاريتي
- حوزة
- أمكالة
- سيدي أحمد العروسي
الطبيعة والمناخ
تنتمي تضاريس السمارة إلى أقدم الحقب الجيولوجية بالمغرب، وتتنوع بين الهضاب الصلبة شرق الإقليم والهضاب الرملية غربه، بينما يشق وادي الساقية الحمراء المنطقة من الشرق نحو الغرب حتى المحيط الأطلسي.
ويتميز المناخ بطابع صحراوي قاري جاف، حيث ترتفع درجات الحرارة صيفا إلى نحو 48 درجة، وتنخفض شتاء إلى قرابة 15 درجة، مع قلة التساقطات المطرية التي قد تتحول أحيانا إلى سيول وفيضانات مفاجئة.
أبرز المعالم التاريخية والأثرية
تزخر السمارة بعدد من المواقع التاريخية والأركيولوجية المهمة، أبرزها:
النقوش الصخرية
تنتشر مواقع النقوش الصخرية في مناطق مثل ميران والفارسية وحوزة ووادي سلوان والعصلي بوكرش، وتعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وتصور حيوانات كالنعام والزرافة والفيل والغزال.
زاوية الشيخ ماء العينين
تعد من أشهر المعالم التاريخية في المدينة، وقد شيدت بين سنتي 1898 و1904م بدعم من السلطان مولاي عبد العزيز، وظلت مركزا دينيا وعلميا مهما في الصحراء.
قصر التازي أو كريزيم
تقع بقاياه شمال شرق السمارة، وكان مقرا لإقامة الشيخ ماء العينين، ولم يتبق منه اليوم سوى أجزاء حجرية مبنية بالطين والحجارة المنجورة.
المسجد العتيق
يقع وسط الحي الذي شيدته الإدارة الإسبانية، ويتميز بطرازه المعماري المتناسق، كما خضع لعدة عمليات ترميم وتوسعة منذ سنة 1994م.
السياحة في السمارة
تمتلك السمارة مؤهلات طبيعية وسياحية واعدة، خاصة في مجال السياحة الصحراوية وسياحة المغامرات، بفضل تنوع تضاريسها بين الحمادات والكثبان الرملية والأودية والواحات، إضافة إلى مواقع مثل أمكالة وتفاريتي وكلتة زمور وأشجار الطلح.
واليوم تواصل السمارة ربط حاضرها بماضيها، بعدما تحولت من محطة للقوافل ومربط للجهاد إلى مركز حضري مهم ضمن شبكة الطرق الصحراوية الحديثة، وبوابة تربط جنوب المغرب بعمقه الإفريقي.



