علاء عبدالله يكتب: مركزية القرآن في التشريع.. حين يتحول النص إلى مشروع لإعادة بناء الوعي الديني
لا تزال قضية مصادر التشريع الإسلامي وطبيعة العلاقة بين النص القرآني والاجتهادات البشرية واحدة من أكثر القضايا حضورًا في دوائر الفكر الإسلامي المعاصر، لما تحمله من تأثير مباشر على فهم الدين وإدارة العلاقة بين الثابت والمتغير، وفي هذا السياق تأتي القراءة التي قدمها الإعلامي وعضو مؤسسة رسالة السلام عبد الرحمن نوح لأطروحات المفكر العربي علي محمد الشرفاء، باعتبارها محاولة لإعادة طرح سؤال المرجعية من داخل النص القرآني نفسه.
الفكرة الأساسية التي يطرحها الشرفاء – كما يعرضها المقال – تقوم على اعتبار القرآن الكريم المرجع الأعلى والأوثق في التشريع الإسلامي، ليس بوصفه كتابًا للعبادة والتلاوة فحسب، وإنما باعتباره دستورًا شاملًا للهداية وتنظيم حياة الإنسان على المستويين الفردي والمجتمعي.
ويظهر في هذا الطرح توجه واضح نحو إعادة ترتيب العلاقة بين النص الديني والاجتهاد الإنساني، بحيث يصبح الاجتهاد خاضعًا لمعيار قرآني سابق عليه لا مصدرًا موازيًا له، ومن هنا يؤكد الشرفاء – وفق ما ورد في المادة – أن العودة إلى القرآن ليست دعوة إلى إلغاء العقل أو تعطيل التفكير، بل على العكس، هي دعوة إلى ممارسة التفكير من داخل مرجعية واضحة تحفظ المقاصد الكبرى للدين.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من كونها تنطلق من فكرة أن كثيرًا من الإشكالات التي أحاطت بالخطاب الديني المعاصر جاءت نتيجة التداخل بين النص المقدس والقراءات البشرية المتعددة له، وهو ما جعل الحاجة قائمة – بحسب هذا الاتجاه الفكري – لإعادة النظر في المسلمات وإخضاعها لميزان النص القرآني.
كما يلفت الطرح الانتباه إلى أن القرآن، وفق هذه القراءة، لا يقدم باعتباره نصًا مغلقًا أو منفصلًا عن الواقع، وإنما باعتباره مصدرًا لإنتاج الفهم المتجدد القادر على التعامل مع تحولات العصر ومتغيراته دون فقدان الأساس المرجعي.
ومن النقاط اللافتة أيضًا أن المشروع الفكري الذي يعرضه المقال لا يقف عند حدود التأصيل النظري، بل يفتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بالعلاقة بين الوحي والتفسير، وبين الثابت والمتغير، وبين النص والاجتهاد البشري، وهي قضايا ظلت في قلب أي مشروع يسعى إلى تجديد الفكر الديني.
وفي الوقت نفسه، يقدم هذا الطرح مساحة للنقاش الهادئ بعيدًا عن الاستقطاب، إذ ينطلق من فكرة أن تطوير أدوات الفهم لا يعني بالضرورة تجاوز المرجعية، وأن التجديد الحقيقي يبدأ من إعادة قراءة النص في ضوء مقاصده وقيمه الكبرى.
وفي المحصلة، تعكس هذه القراءة لأطروحات علي محمد الشرفاء محاولة لإعادة توجيه النقاش من سؤال: من يملك تفسير الدين؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن بناء فهم ديني أكثر اتصالًا بالنص القرآني وأكثر قدرة على الاستجابة لتحولات الواقع؟ وهو سؤال يظل حاضرًا في قلب الجدل الفكري المعاصر، كلما تجدد البحث عن العلاقة بين الدين والإنسان، وبين النص والاجتهاد، وبين الثبات والتغيير.


