علاء عبدالله يكتب: عندما يتحول الدين من رسالة بناء إلى طقوس جامدة.. كيف تستعيد الأمة علاقتها بالقرآن؟
تعيش المجتمعات في كل عصر لحظات مراجعة كبرى، لحظات تفرض فيها الأسئلة نفسها بقوة: لماذا تتقدم أمم بينما تتراجع أخرى؟ ولماذا تتحول بعض الرسالات التي جاءت لإحياء الإنسان وإطلاق قدراته إلى ممارسات شكلية تفقد أثرها في الواقع؟ هذه الأسئلة تبدو حاضرة بقوة في الطرح الفكري الذي يقدمه المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي تنطلق منه رؤية تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع القرآن الكريم، ليس باعتباره نصًا للتلاوة المجردة أو الاحتفاء الرمزي بل باعتباره مشروعًا متكاملاً لبناء الإنسان وصناعة الحضارة.
الفكرة الأساسية التي تتوقف عندها هذه الرؤية أن الأزمة لا تكمن في غياب النص، فالنص حاضر، ولا في ندرة الخطاب الديني، فالخطاب متوفر بكثرة، وإنما في المسافة التي اتسعت بين المقاصد الكبرى للدين وبين الممارسات اليومية للأفراد والمجتمعات، وهنا يطرح السؤال الأكثر حساسية: كيف يمكن لأمة يرتبط تاريخها بكتاب جعل من التفكير والتدبر والتعلم قيمة مركزية أن تصبح أسيرة اجترار الماضي وغير قادرة على إنتاج نموذجها الحضاري الجديد؟.
في هذا السياق، يطرح مفهوم “وهم الصواب” باعتباره أحد أكثر الأفكار إثارة للتأمل، فالمشكلة لا تكون دائمًا في الجهل المباشر بل أحيانًا في الاعتقاد الكامل بامتلاك الحقيقة مع غياب المراجعة والنقد والتفكير، فحين يتحول اليقين إلى حالة مغلقة تمنع الأسئلة، يصبح التطور أصعب، وتتحول النصوص التي جاءت لتفتح أبواب الاجتهاد إلى أدوات تبرر الجمود.
لا تتحدث الرؤية المطروحة عن تجاوز الدين أو القفز فوق التراث، بل على العكس تدعو إلى العودة إلى الأصل؛ العودة إلى القرآن بوصفه مرجعية قيمية وأخلاقية وحضارية، فالعودة التي لا تتوقف عند حدود الحفظ والترديد، وإنما تمتد إلى قراءة الإنسان والواقع والعالم من خلال المبادئ الكبرى التي حملتها الرسالة الإلهية.
ومن أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها فكرة استنزاف الطاقات داخل المجتمعات الإسلامية، فالقرآن، وفق هذا الطرح، جاء ليكون عامل توحيد يضع قواعد عامة للعدل والتعارف والرحمة ويؤسس لمجتمع يتنافس في البناء والإصلاح، لكن الممارسات التاريخية والصراعات المذهبية أحيانًا جعلت النص الذي يفترض أن يجمع يتحول إلى مساحة للتنازع والتباعد.
هذه الفكرة لا تنفي التنوع أو الاختلاف لكنها تميز بين الاختلاف الذي يثري الفكر والاختلاف الذي يستهلك الجهد ويحول الطاقات إلى معارك مستمرة لا تنتج معرفة ولا تقدماً، وهنا تظهر الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات؛ من سؤال: من الأصح؟ إلى سؤال: كيف نبني؟ وكيف نحقق المقاصد الكبرى التي جاءت بها الرسالة؟.
وتبرز داخل هذا التصور أربع ركائز تطرح باعتبارها مفاتيح النهضة الحقيقية. ،لركيزة الأولى هي العدل باعتباره أساس الاستقرار وبناء الثقة داخل المجتمع لأن أي مشروع حضاري لا يمكن أن يستمر في ظل غياب العدالة، والركيزة الثانية هي الرحمة بوصفها قيمة تنظم علاقة الإنسان بالإنسان بعيدًا عن الإقصاء والكراهية، أما الركيزة الثالثة فهي العلم، ليس باعتباره ترفًا معرفيًا بل أداة إنتاج وريادة وتقدم، وتأتي الركيزة الرابعة في فكرة التعارف، بوصفها البديل الحضاري لمنطق الصدام والانغلاق.
ومن زاوية أخرى، تطرح هذه الرؤية نقدًا ضمنيًا لفكرة الاكتفاء بالحنين إلى الماضي، فالأمم لا تعيش على أمجادها مهما كانت عظيمة وإنما تستلهم منها القدرة على إنتاج حاضر جديد، قالحديث المستمر عن الإنجازات القديمة لا يغني عن تأسيس إنجازات معاصرة، ولا يعوض غياب المشروع العلمي والتنموي والثقافي.
القرآن، وفق هذا التصور، لا يريد إنسانًا يكرر دون أن يفكر، ولا مجتمعًا يكتفي بالشعارات دون أن يعمل، بل يريد إنسانًا قادرًا على السؤال، والتدبر، وإعادة اكتشاف دوره في الحياة، إنسانًا يرى أن العبادة ليست انعزالًا عن حركة الواقع بل مشاركة في إصلاحه وإعماره.
في النهاية، لا تبدو هذه الدعوة مجرد نقاش فكري أو قراءة نظرية للنصوص، بل محاولة لإثارة سؤال أعمق: ماذا لو أعدنا قراءة علاقتنا بالدين باعتباره مشروعًا للحياة لا مجرد منظومة طقوس؟ وماذا لو تحول التدبر إلى فعل يومي ينتج معرفة وعملًا وعدلًا ورحمة؟.
ربما لا تكمن قيمة هذه الرؤية في تقديم إجابات نهائية بقدر ما تكمن في إعادة فتح الأسئلة التي تتوقف عندها كل نهضة حقيقية: كيف نفكر؟ وكيف نبني؟ وكيف نجعل من القيم قوة تدفع المجتمع إلى الأمام بدل أن تبقيه أسير التكرار؟.


