كتابنا

علاء عبدالله يكتب: حين يتحول الدين إلى عادة.. قراءة في سؤال الشرفاء الحمادي عن أزمة الوعي قبل أزمة الواقع

في كل مرحلة تشهد فيها المجتمعات حالة من التراجع أو الارتباك الحضاري، يعود سؤال الدين إلى الواجهة: هل تكمن الأزمة في النص نفسه أم في طريقة التعامل معه؟ ومن هذا السؤال تنطلق الرؤية التي يطرحها المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “الذين ضلَّ سعيهم.. حين يتحوّل الدين من مشروع نهضة إلى طقوس جامدة”، وهي رؤية تضع جوهر الإشكال خارج دائرة النص، وتبحث عنه داخل الإنسان وآليات الفهم والممارسة.

الطرح الذي تقدمه مؤسسة رسالة السلام العالمية لا يقف عند حدود الوعظ أو الدعوة التقليدية، بل يحاول إعادة تقديم القرآن باعتباره مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان وصناعة الحضارة، وليس مجرد نص يُقرأ في المناسبات أو وسيلة للاكتفاء بالمظاهر التعبدية المنفصلة عن أثرها في الواقع.

وتكتسب الآية التي استند إليها المقال دلالة محورية في هذا السياق؛ إذ لا تتحدث عن الخطأ الواضح أو الانحراف المعلن، بل تطرح حالة أكثر تعقيدًا وخطورة: أن يبذل الإنسان جهدًا كبيرًا وهو يظن أنه يسير في الطريق الصحيح، بينما تكون النتيجة النهائية بعيدة عن المقاصد الكبرى التي جاء بها الوحي.

ومن هنا يظهر مفهوم “وهم الصواب” بوصفه الفكرة المركزية في هذا الطرح؛ ذلك الوهم الذي يجعل المجتمعات تطمئن إلى تكرار الموروث دون مراجعة، أو تتمسك بالأشكال دون اختبار أثرها الحقيقي في تحقيق العدالة والرحمة والعلم والعمران.

وتذهب القراءة إلى أن جزءًا من الأزمة التاريخية التي عاشتها المجتمعات الإسلامية لم يكن ناتجًا عن نقص التدين، وإنما عن اختزال الدين في دوائر ضيقة من الجدل والصراعات والانشغال بالخلافات البشرية على حساب المقاصد الكلية للرسالة.

وفي هذا السياق يبرز سؤال شديد الحضور في المقال: كيف يمكن لأمة تمتلك كتابًا يفتح أبواب التفكير والتدبر ويمنح العقل مساحة واسعة أن تدخل في دوائر الاستهلاك المعرفي والتراجع الحضاري؟، والإجابة التي يلمح إليها الطرح لا تتعلق بكمية الطقوس أو كثافة الخطاب الديني، وإنما بمدى حضور القيم المؤسسة داخل حياة الناس.

فالعدل لا يقدم هنا باعتباره قيمة أخلاقية مجردة، بل أساسًا لاستقرار المجتمع وقدرته على البناء، والرحمة ليست فضيلة فردية فقط، بل قاعدة لتنظيم العلاقات الإنسانية، أما العلم فيظهر باعتباره شرطًا للقوة والقدرة على صناعة المستقبل، بينما يتحول التعارف إلى بديل حضاري لفكرة الصراع المستمر.

ومن النقاط اللافتة في هذا التصور أنه يعيد الاعتبار لفكرة التدبر باعتبارها فعلًا حضاريًا لا مجرد ممارسة معرفية، فالتدبر – وفق هذا الفهم – ليس قراءة للنص من أجل الحفظ، بل محاولة لاستخراج أثره في الواقع وتحويل القيم إلى سلوك ومؤسسات وثقافة عامة.

كما يطرح المقال نقدًا ضمنيًا لحالة الجمود التي تجعل بعض المجتمعات أسيرة التكرار وإعادة إنتاج الإجابات القديمة دون مساءلة أو تطوير، وهو ما يؤدي في النهاية إلى فجوة بين النص بوصفه مصدرًا للحياة، وبين الواقع الذي يفقد تدريجيًا القدرة على الحركة والتجدد.

وفي العمق، لا تبدو الرسالة الأساسية لهذا الطرح دعوة إلى القطيعة مع التراث أو تجاوز الموروث، بقدر ما هي دعوة لإعادة ترتيب الأولويات؛ بحيث يعود القرآن إلى مركز عملية الفهم، ويعود الإنسان إلى ممارسة دوره في التفكير والعمل والإصلاح.

وفي المحصلة، يفتح الشرفاء الحمادي بابًا للتأمل في سؤال ربما يكون من أكثر الأسئلة إلحاحًا اليوم: هل تكمن قوة الدين في كثرة ما نردده، أم في مقدار ما نحوله إلى عدل ومعرفة وعمل وسلام؟، وهو سؤال لا يخص مرحلة بعينها، بل يظل حاضرًا كلما أصبح الشكل أكثر حضورًا من الجوهر، وكلما احتاجت المجتمعات إلى إعادة اكتشاف الطريق من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى