تاريخ ومزارات

حقيقة علاقة الإمام محمد عبده بالماسونية.. لماذا انضم إليها؟ ولماذا غادرها سريعًا؟

تمر اليوم الحادي عشر من يوليو ذكرى وفاة الإمام محمد عبده (1849-1905) الذي يعد من أبرز دعاة الإصلاح الديني والفكري في العالم العربي واشتهر بدعوته إلى تجديد الفكر الديني وإعمال العقل، وإصلاح منظومتي التعليم والقضاء، وبين محطات سيرته المختلفة، تظل مسألة انضمامه إلى الماسونية من أكثر القضايا التي أثارت الجدل والتساؤلات.

والإجابة باختصار هي: نعم، فقد انضم الإمام محمد عبده لفترة محدودة إلى أحد المحافل الماسونية، لكنه سرعان ما غادرها بعدما تبين له أنها لا تتوافق مع المبادئ الإصلاحية التي كان يؤمن بها.

تأثره بجمال الدين الأفغاني

تعود بداية هذه التجربة إلى عام 1871، عندما وصل المفكر جمال الدين الأفغاني إلى مصر، واستطاع أن يجذب حوله مجموعة من الشباب والمثقفين، وكان الشيخ محمد عبده من أبرز تلامذته. وتأثر الإمام بأفكار أستاذه التي دعت إلى الإصلاح ومحاربة الاستبداد، فانضم بصحبته إلى أحد المحافل الماسونية التي كانت ترفع آنذاك شعارات مثل “الحرية والإخاء والمساواة”.

وفي تلك المرحلة، كان عدد من المثقفين العرب ينظرون إلى الماسونية باعتبارها إطارًا فكريًا يدعو إلى الإصلاح والتقدم، ولم تكن قد ارتبطت بعد بالصورة السياسية والأيديولوجية التي اشتهرت بها في مراحل لاحقة.

لماذا ترك الماسونية؟

ووفقًا لما ذكره جرجي زيدان، فإن محمد عبده التحق في البداية بالمحفل البريطاني، إلا أنه لم يستمر فيه طويلًا، بعدما لاحظ تأييده للخديوي وابتعاده عن مساندة مطالب الإصلاح ومواجهة الاستبداد، فقرر الانسحاب منه.

وبعد ذلك انضم إلى المحفل الشرقي الفرنسي، لكنه لم يلبث أن ابتعد عن النشاط الماسوني بصورة نهائية، بعدما توصل إلى قناعة بأن تلك المحافل لم تعد تعبر عن الأهداف الإصلاحية التي كان يسعى إلى تحقيقها.

ويشير الباحث محمد محمد حسين في كتابه الاتجاهات الوطنية إلى أن محمد عبده كان أيضًا من أعضاء جمعية مصر الفتاة، التي ضمت شخصيات تأثرت بمبادئ الثورة الفرنسية، وكان من بين أعضائها عدد من المنتمين إلى المحافل الماسونية، وهو ما يعكس طبيعة المناخين الفكري والسياسي السائدين آنذاك.

كيف كانت تفهم الماسونية في القرن التاسع عشر؟

يذهب عدد من المؤرخين إلى أن تقييم انضمام محمد عبده إلى الماسونية ينبغي أن يتم في إطار الظروف التاريخية التي عاشها، ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت بعض المحافل الماسونية في الشرق تقدم نفسها باعتبارها منتديات للحوار الفكري والإصلاح السياسي، واستقطبت مثقفين ومصلحين من توجهات متعددة.

ومع تطور الأوضاع وتشابك المصالح السياسية والاستعمارية، تبدلت نظرة كثير من هؤلاء إليها، وكان الإمام محمد عبده من بين الذين فضلوا الانسحاب منها بعدما رأى أنها لم تعد تتوافق مع مشروعه الإصلاحي وأهدافه الفكرية.

هل أثرت هذه التجربة على فكره؟

لم تطل علاقة الإمام محمد عبده بالماسونية، ولم تشكل جزءًا من مشروعه الفكري أو الإصلاحي. فقد كرس جهوده بعد ذلك لمسيرته الإصلاحية، التي تمثلت في الدعوة إلى تجديد الفقه، وإصلاح الأزهر، وتطوير التعليم، وتعزيز دور العقل في فهم النصوص الدينية، وهي المبادئ التي رسخت مكانته بوصفه أحد أبرز رواد النهضة العربية والإسلامية في العصر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى