تاريخ ومزارات

أحمد زبانة.. أول شهيد أعدمته فرنسا بالمقصلة وأحد أبرز أبطال ثورة التحرير الجزائرية

يعد أحمد زبانة واحدًا من أبرز رموز الكفاح الوطني في الجزائر، إذ ارتبط اسمه ببدايات ثورة التحرير الجزائرية وبالتضحيات التي مهدت لاستقلال البلاد، ولد في ولاية معسكر ونشأ بمدينة وهران، حيث تلقى تعليمه الأساسي إلى جانب تعليمه الديني، وهو ما أسهم في تكوين شخصيته الوطنية منذ سنواته الأولى، وانضم مبكرًا إلى الكشافة الإسلامية الجزائرية قبل أن يلتحق بالمنظمة الخاصة عام 1947، ليبدأ رحلة طويلة من العمل السري ومقاومة الاحتلال الفرنسي، قبل أن تعتقله السلطات الاستعمارية عام 1950، ويصبح لاحقًا أحد أشهر شهداء الثورة الجزائرية.

من هو أحمد زبانة

ولد أحمد زهانة، المعروف باسم “أحمد زبانة” وبلقبه الثوري “السي حميدة”، عام 1926 بمنطقة القصد التابعة لبلدية زهانة في ولاية معسكر، وسط أسرة بسيطة تضم تسعة أبناء، ثم انتقل مع عائلته إلى مدينة وهران، وهناك حصل على الشهادة الابتدائية باللغة الفرنسية، الأمر الذي أتاح له معرفة لغة الإدارة الاستعمارية وأساليبها، كما تلقى تعليمه الديني في الكُتاب، فحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ الدين الإسلامي، وهو ما عزز ارتباطه بهويته الوطنية والدينية، كما أنهى دراسته في أحد مراكز التكوين المهني عام 1949.

بدأت ملامح شخصيته النضالية تتشكل منذ أربعينيات القرن الماضي، عندما انضم إلى فوج النجاح التابع للكشافة الإسلامية الجزائرية، حيث لعبت الأنشطة الكشفية والأناشيد الوطنية دورًا مهمًا في غرس قيم الانضباط والتضحية وحب الوطن بداخله، كما أسهمت نشأته في الأحياء الشعبية بمدينة وهران، خاصة حي سيدي بلال وحي الحمري، في تعميق إحساسه بمعاناة الجزائريين تحت الاحتلال الفرنسي، فازدادت قناعته بضرورة مقاومة الاستعمار، وتأثر كذلك بأفكار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي عززت وعيه الوطني والديني ومهدت لانخراطه في الحركة الوطنية.

في عام 1947، انضم أحمد زبانة إلى المنظمة الخاصة، الذراع العسكرية للحركة الوطنية الجزائرية، بعدما لفت الأنظار بانضباطه وكفاءته، وأسندت إليه مهمة إنشاء الخلايا السرية وتنظيمها في عدد من المناطق، كما استغل خبرته في مهنة اللحام وحول ورشته إلى مكان سري لصيانة الأسلحة وإعداد المتفجرات بعيدًا عن أعين سلطات الاحتلال، وشارك عام 1949 في عملية استهداف بريد وهران بهدف توفير التمويل اللازم لدعم العمل الثوري واستمراره.

أثار نشاطه المتزايد انتباه السلطات الفرنسية، فاعتقل في الثاني من مارس عام 1950، وصدر بحقه حكم بالسجن ثلاث سنوات مع النفي لثلاث سنوات أخرى، وخلال فترة سجنه واصل القراءة وتثقيف نفسه، وهناك أطلق عليه رفاقه لقب “زبانة”، المستوحى من اسم الثائر المكسيكي إميليانو زاباتا، تقديرًا لصلابته وقدرته على بث الحماس بين زملائه، وبعد خروجه من السجن التحق مباشرة بالتحضيرات النهائية لانطلاق الثورة، ونال ثقة القائد محمد العربي بن مهيدي الذي كلفه بالإعداد الميداني في الغرب الجزائري.

ومع اندلاع ثورة التحرير في الأول من نوفمبر عام 1954، قاد أحمد زبانة أولى العمليات العسكرية في منطقة لاماردو بمدينة سيق التابعة لولاية معسكر، كما أشرف في الليلة نفسها على هجوم استهدف مركزًا لحراس الغابات في وهران، وفي الثامن من نوفمبر حاصرت القوات الفرنسية مجموعة صغيرة من المجاهدين بقيادته في منطقة جبلية وعرة بضواحي القعدة، ورغم الفارق الكبير في العدد والعتاد، خاض المجاهدون مواجهة شرسة، وأثناء الاشتباكات حاول زبانة إنهاء حياته حتى لا يقع أسيرًا، لكنه أصيب إصابة بالغة في عينه اليسرى قبل أن تتمكن القوات الفرنسية من أسره.

تعرض أحمد زبانة بعد اعتقاله لتعذيب قاسٍ، ثم مثل أمام محكمة عسكرية أصدرت حكمًا بإعدامه، ورغم الضغوط التي مورست عليه، رفض تقديم أي طلب للعفو إلى الرئيس الفرنسي، متمسكًا بموقفه وبحق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال، وفي التاسع عشر من يونيو عام 1956 نُفذ حكم الإعدام بالمقصلة داخل سجن سركاجي في الجزائر العاصمة، ليصبح أول مجاهد من ثوار التحرير الجزائريين تُنفذ فيه هذه العقوبة، وقد أثار إعدامه موجة واسعة من الغضب داخل الجزائر وخارجها، وأسهم في زيادة التفاف الجزائريين حول الثورة وتصاعد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، ولا يزال اسمه حتى اليوم حاضرًا في الذاكرة الوطنية، حيث تحمل العديد من المؤسسات والشوارع اسمه تخليدًا لتضحياته ودوره في مسيرة استقلال الجزائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى