حكاية تراث مصري عمره آلاف السنين.. كيف تحول “عيد بذر القمح” الفرعوني إلى طبق عاشوراء؟

يمثل يوم عاشوراء بمكانة خاصة في وجدان المصريين فهو لا يقتصر على كونه مناسبة دينية إسلامية بل يرتبط أيضًا بعادات وتقاليد متوارثة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ المصري، وبين طقوس المصريين القدماء ومظاهر الاحتفال في العصور الإسلامية المختلفة، ظلت أطباق القمح والبليلة وحلوى عاشوراء حاضرة على الموائد، لتروي حكاية تراث طويل تناقلته الأجيال حتى يومنا هذا.
جذور فرعونية
وفي هذا الإطار كشف الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار ومدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن الاحتفال بعاشوراء في مصر تعود جذوره إلى عصور مصر القديمة، حيث ارتبط هذا اليوم بأحد الأعياد الدينية المهمة في مدينة منف خلال أواخر عصر بناة الأهرامات.
وأوضح “ريحان”، أن المصريين القدماء أطلقوا على هذه المناسبة اسم “عيد طرح بذور القمح المقدس”، وكان الاحتفال يقام في اليوم العاشر من شهر “نوبي” أو “طوبة”، وهو أول شهور فصل “برت”، المعروف في التقويم المصري القديم بأنه فصل البذر.
وأشار “ريحان”، إلى أن القمح كان يمثل رمزًا للخير والخصوبة لدى المصريين القدماء، ولذلك ارتبطت الاحتفالات بإعداد أطعمة متنوعة تعتمد عليه، من أبرزها طبق “العاشوراء”، الذي لا تختلف طريقة تحضيره كثيرًا عن الشكل المعروف في الوقت الحالي.
وأضاف “ريحان”، أن البليلة كانت تطهى في أوانٍ مخصصة لهذا الغرض، كما كان يتم إعداد كعك عاشوراء المصنوع من القمح وعسل النحل، ويشكل على هيئة سنابل القمح أو حبوبه، تعبيرًا عن البركة والرخاء.
من التاريخ إلى الإسلام
كما لفت الخبير الأثري، إلى أن يوم عاشوراء في مصر القديمة تزامن مع اليوم العاشر من شهر “تشري” في التقويم العبري، وهو اليوم الذي كان اليهود يصومونه إحياءً لذكرى نجاة سيدنا موسى وقومه من فرعون.
وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ووجد اليهود يصومون هذا اليوم، أوضحوا له سبب صيامهم، فقال: “نحن أحق بموسى منهم”، وحث المسلمين على صيامه.
وأكد الخبير الأثري، أن العرب عرفوا أيضًا صيام عاشوراء والاحتفال به قبل الإسلام، ومع ظهور الإسلام اكتسب هذا اليوم مكانة دينية كبيرة لدى المسلمين، بينما أصبح له مكانة خاصة لدى الشيعة باعتباره اليوم الذي استشهد فيه الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه في معركة كربلاء عام 61 هـ الموافق 680 ميلادية.
وتابع أن بعض الشعوب الآسيوية القديمة كانت تعتقد أن عاشوراء هو اليوم الذي زرع فيه سيدنا نوح عليه السلام أول حبة قمح بعد انتهاء الطوفان، وهو اعتقاد ارتبط لاحقًا بعدد من الطقوس الغذائية الخاصة بهذه المناسبة.
عاشوراء في مصر
وفي السياق ذاته، أوضح “ريحان”، أنه خلال العصر الفاطمي تحولت عاشوراء إلى مناسبة رسمية في مصر، لكنها اتسمت بطابع الحزن وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، حيث كانت الأسواق تغلق أبوابها وتتوقف الحركة التجارية، بينما يتجه الناس إلى الجامع الأزهر مرددين الأناشيد والمراثي، وبعد إنشاء المشهد الحسيني بالقاهرة أصبحت الاحتفالات تتجه إليه بصورة رئيسية.
وأضاف “ريحان”، أنه مع قيام الدولة الأيوبية تبدلت طبيعة الاحتفال، إذ أصبح اليوم مناسبة لإدخال البهجة على الأسر، فانتشرت الولائم والحلوى والأطعمة المختلفة، واستمر هذا النهج خلال العصر المملوكي وما تلاه من عصور.
وأشار إلى أن احتفالات العصر المملوكي كانت تبدأ منذ أول أيام شهر المحرم وحتى اليوم العاشر، حيث كانت المواكب تجوب الشوارع التي تزين لهذه المناسبة، وتتردد الأناشيد الدينية، بينما يحضر السلطان وكبار رجال الدولة والعلماء الاحتفالات الرسمية التي تضمنت تلاوة القرآن الكريم، وتكريم القراء والمنشدين، ثم إقامة الموائد وتوزيع الطعام على الفقراء والمحتاجين.
وأوضح أن هذه الاحتفالات صاحبتها العديد من المعتقدات الشعبية التي استمر بعضها في القرى والأحياء القديمة، ومن بينها الاعتقاد بأن البخور يساهم في دفع الحسد والعين، لذلك كان الباعة يجوبون الشوارع حاملين أنواعًا مختلفة من البخور، ويرددون الأدعية والأهازيج أثناء بيعه.
حلوى العاشوراء
ولا تزال عادة إعداد حلوى “العاشوراء” مستمرة حتى اليوم، وهي طبق يعتمد على القمح المسلوق باللبن والسكر، ويزين بالمكسرات مثل اللوز والجوز والبندق، كما تحرص كثير من الأسر على تبخير المنازل في هذه المناسبة، استنادًا إلى معتقدات شعبية متوارثة.
وأضاف ريحان أن مظاهر الاحتفال قديمًا شملت أيضًا إقامة مجالس لتلاوة القرآن الكريم داخل المنازل، واستضافة المنشدين والوعاظ، بينما كانت النساء يتابعن الاحتفالات من فوق أسطح المنازل أو يعقدن تجمعات خاصة للاستماع إلى الدروس الدينية.
وفي ختام حديثه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن العثمانيين وعددًا من شعوب آسيا كانوا يحتفلون أيضًا بعاشوراء باعتباره اليوم الذي استقرت فيه سفينة سيدنا نوح على جبل جودي، وكانوا يحرصون على إعداد أنواع من الحساء وحلوى القمح وتوزيعها على الجيران والفقراء، ومنها انتقلت إلى المصريين عادة إعداد القمح الممزوج باللبن، التي عرفت لاحقًا باسم “البليلة”، لتصبح واحدة من أشهر الأطعمة المرتبطة بعاشوراء حتى الآن.
وهكذا يظل يوم عاشوراء نموذجًا فريدًا لتلاقي التاريخ بالدين والتراث الشعبي، بعدما احتفظ المصريون عبر العصور بجزء كبير من طقوسه وعاداته، لتبقى هذه المناسبة شاهدًا على امتداد حضاري وثقافي يعود إلى آلاف السنين.



